الإسرائيليون يفقدون ثقتهم بجيشهم

مع تفاقم التحديات التي يواجهها جيش الاحتلال، وزيادة التهديدات التي يُظهر أمامها عجزا متفاقما، في مختلف الجبهات المحيطة به، أظهرت المعطيات الأخيرة التي كشفت عنها مراكز بحثية عن نقاط ضعف لم تكن حاضرة في سنوات سابقة.

آخر هذه المؤشرات ما كشفه "معهد الديمقراطية الإسرائيلي" في الأيام الأخيرة، عن معطيات تتعلق بتراجع ثقة الإسرائيليين بجيشهم، ووصلت النسبة إلى 78٪ فقط، وهي أدنى مستوى لها منذ 13 عامًا، بعد أن وصلت نسبة الثقة فيه وفق مؤشرات سابقة إلى 90%، وهذا يعني أننا أمام أدنى نسبة ثقة في الجيش منذ عام 2008.

تسلط هذه المؤشرات المقلقة للإسرائيليين الضوء على ما تعد إشكالية العلاقة بين المجتمع والجيش، وتتركز في الانخفاض بمكانة الخدمة العسكرية تعبيرا عن الانتماء المدني، وتفكك الامتيازات التي منحت للجيش في السابق، كالحصانة من الانتقادات العامة، وقد برز الانخفاض في مركزية مكانة الجيش في الوعي الثقافي للمجتمع الإسرائيلي منذ وقت طويل. 

أستحضر في هذه السطور ما قاله رئيس هيئة الأركان السابق أمنون ليبكين شاحاك عن "غياب الأيام التي كان فيها الزي العسكري، مصدر فخر واعتزاز لمن يرتديه، ولم يعد التهرب من الخدمة العسكرية وصمة عار في جبين المتهرب"، وتشير هذه الكلمات بصورة أو بأخرى لطبيعة العلاقات السائدة اليوم بين المجتمع والجيش، وكانت هذه العلاقة قبل عقد أو عقدين مفهومة، فإنها اليوم باتت تتصدر مركز قلق الجيش.

تقدم المعطيات المنشورة خلال الساعات الأخيرة عن تراجع ثقة الإسرائيليين بجيشهم استخلاصات مفادها تقويض مكانته كإطار لا يمكن أن يخطئ، ووجد نفسه في نهاية حرب يخوضها ضدّ تدني مكانته في نظر الجمهور، وساعد في هذه المسألة الطابع الفاشل لمعظم نشاطاته الميدانية في السنوات التالية، خاصة الحروب اللبنانية والانتفاضات الفلسطينية والعدوانات المستمرة على غزة، واستمر تدني هذه المكانة بصورة غير متوقعة، وصُبِغ بإثباتات مخيبة للآمال على القدرة المهينة وغير المناسبة للجيش، وعلى التدني الأخلاقي على مستويات قيادية مختلفة.

هذه التطورات المتزامنة تسهم في الإحساس داخل الجيش بأن استقلاليته آخذة بالتآكل، ما يقيد حرية عمله، ولم يعد الإسرائيليون يؤمنون بأنه الأقوى في العالم، على العكس، فإنهم اليوم أقل تفاؤلاً وأكثر خوفاً، ولم يعودوا يؤمنون بالقوة العسكرية كثيراً، وإن لم يكن هذا كافياً، فقد فقدوا ثقتهم بالجيش، سواء ما تعلق باستمرار انخفاض الثقة بأدائه القتالي، أو قدرته على الحسم.

تؤكد المؤشرات الصادرة أخيرا أن هناك إضراراً كبيراً في ثقة الجمهور بقدرة (الدولة) على مواجهة تهديدات خارجية، وهذه معطيات تزعج القيادة العسكرية، التي أجرت استطلاعات سرية أعطت نتائج مشابهة في الماضي، وأقيمت لجان خاصة في الجيش؛ لمعالجة المشكلة، وإعادة الثقة للشباب، ومنع تدهور الوضع أكثر.