مدينة غزة.. قصتها ورسالتها للحكومة

ليست كبقية المدن، كتلة أسمنتية صماء، لكنها تتكلم عن ماضيها وحاضرها ومستقبلها، عن بطولاتها في طرد الغزاة، عن صمودها وشموخها وكبرياء رجالاتها.

مدينة غزة.. الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ

تبلغ مساحتها 56 كيلومترا مربعا، وتعداد سكانها 625.000 ألف نسمة، أكثر من نصفهم لاجئون طردهم الاحتلال الإسرائيلي من أراضيهم عام 1948، فكانت مدينة غزة إحدى المدن الفلسطينية التي فتحت أبوابها لهم، فأصبحت مدينة غزة من أكثر المدن في العالم اكتظاظًا بالسكان.

حجارتها وأزقتها تحدثنا عن تاريخها، كيف لا وهي من أقدم مدن العالم، تنظر لمعالمها فتكتشف تاريخ غزة، ولد فيها الإمام الشافعي، ويحتضن ترابها ضريح السيد هاشم بن عبد مناف جد رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم الذي توفي في غزة في أثناء رحلته التجارية، رحلة الصيف، وسميت غزة هاشم باسمه.

تنظر للمسجد العمري، أقدم وأعرق مساجد مدينة غزة، تبلغ مساحته 4100 متر مربع، ومساحة فنائه 1190 مترا مربعا، فيه  38 عمودًا من الرخام الجميل والمتين البناء، والذي يعكس في جماله وروعته إبداع الفن المعماري القديم في مدينة غزة.

الجامع العمري كان كنيسة أنشأها أسقف غزة برفيريوس على نفقة الملكة أفذوكسيا وعندما فتحت غزة أيام الخليفة عمر بن الخطاب، جعلت هذه الكنيسة جامعًا.

سمي الجامع العمري نسبة إلى الخليفة عمر رضي الله عنه، والكبير لأنه أكبر جامع في غزة، وقد أنشأ له، لاجين، سلطان المماليك بابًا ومئذنة سنة 697هـ/ 1281م، وقام بتوسعته الناصر محمد، وعمر في العهد العثماني·

لكل شارع بغزة القديمة قصة ورواية، قد لا يتسع المجال لذكرها، والفنون المعمارية تعكس حضارتها وتراثها، وتجعلها تنطق وتتكلم، فعلى سبيل المثال هناك قصر الباشا الذي يعود إلى العصر المملوكي، وحمام السمرة وهو أحد الحمامات العثمانية ويعمل حتى يومنا هذا، وسوق القيسارية، وكنيسة الروم الأرثوذكس والعديد من المساجد الأثرية.

تكتسب مدينة غزة أهمية بالغة نتيجة موقعها الجغرافي الحساس عند ملتقى قارتي آسيا وإفريقيا، الذي منحها أهمية إستراتيجية وعسكرية فائقة، فهي الخط الأمامي للدفاع عن فلسطين، بل والشام، وكان لموقعها المتقدم دور عظيم في الدفاع عن العمق المصري في شمالها الشرقي، وجعلها ميدان القتال لمعظم الإمبراطوريات في العالمين القديم والحديث، وهي: الفرعونية، والآشورية، والفارسية، واليونانية، والرومانية ثم الصليبية، وفي الحرب العالمية الأولى.

كما أن موقع مدينة غزة عند خط التقسيم المناخي، على خط عرض (31.3) درجة شمال خط الاستواء جعلها تحتل الموقع الحدّي بين الصحراء جنوبًا، ومناخ البحر المتوسط شمالاً، وعليه فهي بين إقليمين متباينين منحها ذلك دور "السوق" التجاري النابض بالمنتجات العالمية، الحارة والباردة منذ أقدم العصور.

مدينة غزة الحاضر والمستقبل

تعرضت مدينة غزة لاستهداف مباشر في الحروب الإسرائيلية المتتالية، ولكن في عدوان العصف المأكول ارتكبت إسرائيل مجزرة دموية كبيرة يوم الأحد الموافق 20 يوليو 2014، فقد أزالت إسرائيل جزءا من حي كامل من الخريطة، ومسحت عائلات بأكملها من السجل المدني، إنها مجزرة الشجاعية التي راح ضحيتها أكثر من سبعين شهيدًا، وبالرغم من الألم فإن الأمل ما زال قائمًا، ونهضت الشجاعية من تحت الركام، وسطرت المقاومة في هذا الحي وبقية أحياء المدينة أروع معاني البسالة والتصدي والفداء، وأفشلت كل مخططات إسرائيل باقتحام الحي، وتكبدت إسرائيل خسائر فادحة أهمها خطف الجندي الإسرائيلي شاؤول أرون.

لم ولن تسقط غزة، فرغم الحصار والدمار مازالت غزة شامخة شموخ الجبال، ومازال شعبها من أكثر الشعوب الداعمة والحاضنة للمقاومة، والطاردة للغزاة عبر التاريخ، وعليه تتجه أعين الغزيين صوب القدس عاصمة الدولة الفلسطينية، ولديهم يقين أنهم منتصرون على أطول احتلال عرفه التاريخ المعاصر وهو الاحتلال الإسرائيلي.

مهما كتبنا عن غزة فلن نعطها حقها، فبحرها الهادر يتكلم، ودموع نسائها اللاتي يودعن فلذات أكبادهن تشكل وقودا للتحرير، ففي غزة حياة من نوع آخر لا يعرفها إلا سكانها، في غزة تكافل يذكرنا بسيرة الصحابة، وبغزة بيوت مهدمة مهترئة ولكنها في أعين أبنائها الأمل بمستقبل أفضل.

رسالة غزة لرئيس لجنة المتابعة م. عصام الدعليس:

تأمل غزة خيراً في رئيس لجنة المتابعة الحكومي م. عصام الدعليس، ولا سيما أن الأشهر الستة الأولى لهذا الرجل كانت مختلفة وتستحق الإشادة، ولكن الأمل كبير، وهنا رسالة غزة لن تتناول قضايا الفقر والبطالة وانعدام الأمن الغذائي وجودة الصحة والتعليم، فهذا بالتأكيد على رأس أولوياتكم، وبحاجة لتضافر الجهود من أجل تحسين الواقع الإنساني بكل فصوله، ولكن رسالة غزة في هذا المقال مرتبطة بجمال المدينة ونظافة شوارعها، وعليه تقترح غزة عليكم العمل على الاهتمام بالمرافق السياحية التي يرتادها فقراء المدينة والمدن المجاورة مثل: ميناء غزة، وساحة الكتيبة والجندي المجهول ومنتزه الشجاعية والتفاح. وأن يكون هذا الملف ضمن أولويات الحكومة في الأشهر الستة القادمة، على أن يدخل الصيف القادم وتربط هذه الأماكن بكهرباء على مدار الساعة، وتبدأ عملية ترميم لهذه الأماكن، ما يزيد غزة جمالاً، ويعزز من صمود أهلها، وتكون هذه تجربة تطبق في بقية محافظات القطاع.