"فلسطين" حاورت الباحث المصري من هناك

تقرير "د. سليمان" أول عربي يصل القطب الجنوبي رافعًا علم فلسطين

...
د. أحمد سليمان
 غزة/ مريم الشوبكي:

"أحيكم من القطب الجنوبي حيث درجة الحرارة أقل من 51 سيليسيوز تحت الصفر، ومن أمام الشمس الموجودة 24 ساعة ولا تغيب، عقارب الساعة تشير إلى الثانية عشرة منتصف الليل بتوقيت القطب الجنوبي"، رسالة بالفيديو أرسلها الباحث المصري د. أحمد سليمان لطلبة فلسطين، وغزة على وجه الخصوص.

وفي خلفية الفيديو غرز د. سليمان علم فلسطين أول مرة في التاريخ بجانب العلم المصري في جليد القطب المتجمد الجنوبي، حيث يوجد هو، أولَ عالم عربي في مهمة علمية تبحث في فيزياء نشأة الكون هناك.

د. سليمان هو عضو في الفريق البحثي التعاوني الكبير المشهور عالميًّا باسم "بايسيب كيك"، وعضو في فريق جامعة كالتك وناسا، وهدفه البحث في أسرار اللحظات الأولى في عمر الكون برصد موجات الجاذبية التضخمية المتوقع تولدها عندما كان الكون عمره 0000000000001.0 من الثانية.

ويعمل الباحث المصري في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا-كالتك، ومختبر الدفع الصاروخي بوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، تخرج في كلية الهندسة بشبرا جامعة بنها سنة 2009، ثم حصل على الماجستير من كلية الهندسة بجامعة عين شمس عام 2013.

وفى 2015م قبل د. سليمان باحث دكتوراة في جامعة كالتك، التي حصل فيها على الماجستير للمرة الثانية في العلوم سنة 2017، ويكمل أبحاثه إلى الآن في قسم الهندسة وتطبيقات العلوم.

الوصول إلى "ناسا" كان حلمًا صغيرًا يراوده للالتحاق بأفضل جامعات العالم، رحلة طويلة مليئة بالتحديات، إذ حاول التقدم للدراسة في الجامعة ذاتها عام 2010 ورفض طلبه، ولكن لم يستسلم وطور من نفسه، واشترك في مشروعات بحثية، ونشرت له العديد من المقالات العلمية في المجلات العلمية المرموقة بمصر، وعمل في أفضل المراكز البحثية بمصر، وفي 2015م قُبِل بجامعة "كالتك".

وهذه ليست المرة الأولى التي يذهب فيها د. سليمان إلى القطب الجنوبي، ففي عام 2019 مكث 75 يومًا في المعمل الخاص بفريق "كالتك" و"ناسا"، واليوم يعيد التجربة التي ستستمر أكثر من ثلاثة أشهر.

ومن داخل معمله في القطب المتجمد الجنوبي تواصلت "فلسطين" مع د. سليمان، ليحدثنا عن التجربة الفريدة التي يعيشها في أبرد منطقة بالكرة الأرضية، يقول: "شاركت قبل عامين في تصميم وتصنيع أجزاء من هذه التجربة في "كالتك" و"ناسا"، وشاركت في نقلها إلى المعمل في القطب الجنوبي، وأعده أهم إنجاز في مشواري البحثي: مشاركتي في هذه التجربة العلمية التاريخية للبحث في أسرار اللحظات الأولى في عمر الكون".

ولجهوده الفريدة حصل على ميدالية الولايات المتحدة الأمريكية "أنتاركتيكا للعلوم" من المؤسسة الوطنية الأمريكية للعلوم، ووزارة الدفاع الأمريكية، مع فريقه البحثي سنة 2020، تكريمًا لجهود الفريق واستكشافاتهم في علم الفيزياء بفضل النواتج العلمية العظيمة التي رصدها المعمل في القطب الجنوبي، والمنشورة في مجلات علمية مرموقة.

ومهمته العلمية الحالية ليست الإنجاز الأول للباحث المصري، إذ نشر العديد من الأبحاث العلمية في الكثير من المؤتمرات بالعالم، والمجلات العلمية الفيزيائية المرموقة، خلال دراسته في مصر وأمريكا.

وخلال دراسته الماجستير في "كالتك" حصل أحد مقالاته على ثاني أفضل بحث في مؤتمر علوم الراديو في كوريا الجنوبية سنه 2016، وكان ممثل الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المسابقة العلمية.

وفي أثناء دراسته الدكتوراة نشرت له العديد من الأبحاث في المجلات العالمية المرموقة في الفيزياء مثل "فيزيكس ريفيو ليتر"، وهي المجلة الأولى في العالم، وأكثر المجلات العلمية التي ينشر فيها العلماء الحاصلون على جائزة نوبل خلال الـ30 سنة الماضية.

وقبل الوصول إلى القطب الجنوبي مر الباحث د. سليمان، وزملاؤه الأربعة في الفريق بـ3 مراحل من العزل الصحي الشديد الحراسة.

كان العزل الأول في مدينة سان فرانسيسكو، قبل السفر إلى نيوزيلندا، وبالضبط إلى مدينة كرايست تشيرش، عبر طائرة خاصة، إلى درجة أنه كانت هناك أماكن مخصصة لهم داخل المطار للتنقل بعيدًا عن الناس، فخضعوا لكشوف طبية متعددة، وفي نيوزيلندا خضعوا لعزل صحي ثانٍ شديد الحراسة من الجيش الأمريكي والنيوزيلندي مدته 15 يومًا.

يقول الباحث أحمد سليمان: "لقد شدّد مركز البحث القومي الأمريكي الإجراءات، خاصة بعد ظهور فيروس كورونا، حتى يمنعوا تسرب أي فيروس إلى القطب، حماية للعلماء، لانعدام المستشفيات هناك، ففي حالة إصابة أي شخص بفيروس عصي أو مرض خبيث سيكون من الصعب علاجه، وقد يتسبب انتشاره في حدوث كارثة صحية".

ويتحدث د. سليمان عن تفاصيل حياته اليومية في القطب المتجمد الجنوبية: "هي تجربة صعبة وشائقة في الوقت نفسه أن تعيش شهورًا في أبرد مكان على كوكب الأرض، حيث الرطوبة التي تصل إلى 60 درجة تحت الصفر، والشمس التي لا تغيب".

ويكمل: "أيضًا كنت فخورًا أنني أول مصري وعربي يشهد الكسوف الكلي للشمس مباشرة، من القطب الجنوبي، الذي حصل مطلع شهر ديسمبر، وهي ظاهرة نادرة الحدوث".

ويعيش سليمان في مبنى الباحثين والعلماء المشهور عالميًّا باسم " Amundsen–Scott South Pole Station"، المسمى باسم أول اثنين وصلا للقطب الجنوبي سنة 1911، وهو مكان مصمم بدرجة حرارة الغرفة من الداخل، لكي يستطيعوا ممارسة حياتهم الطبيعية فيه، وجداره مصمم بسمك كبير ليحفظ درجة الحرارة في الداخل، ويعزلها عن البرودة الشديدة في القطب من الخارج.

ولما كانت الشمس لا تغيب في القطب الجنوبي؛ يأخذ الباحثون بتوقيت نيوزلندا أقرب مكان، حتى ينظموا حياتهم الطبيعية ووقت النوم والعمل، فيستيقظون الساعة السابعة صباحًا إذ يبدأ اجتماعهم اليومي، يحددون فيه الخطط التي سينفذونها في المعمل، ثم يسيرون إلى المعمل نحو 10 دقائق في الثلج، وعند انتصاف النهار في الساعة 12 ظهرًا يعودون إلى مبنى الباحثين والعلماء لتناول طعام الغداء، ثم العودة للمعمل حتى السادسة مساء، ويمارسون قليلًا من الرياضة، حتى يحين وقت النوم العاشرة مساء.

ويواجه د. سليمان وفريقه مخاطر صحية نتيجة العيش في المسطح الأكثر برودة بالعالم، يذكر أنه قد يصاب بـ"فروست بايت"، وهو عبارة عن موت خلايا أطراف الجسم نتيجة البرودة الشديدة.

وأيضًا طبيعة القطب في ارتفاعه عن سطح البحر نحو 10 آلاف قدم قد تصيب الإنسان بضيق تنفس كما حصل مع أعضاء من الفريق، ما اضطر إلى إرجاعهم بطائرة عسكرية، ويلفت إلى أن الجفاف الشديد للمنطقة أيضًا يصيب الإنسان بنزف في الأنف طوال الوقت.

وينبه د. سليمان إلى أنه لا يوجد مستشفى في القطب للإسعاف في حالة الطوارئ إلا بعد خمس ساعات بواسطة الطائرة، ما يجعلهم حذرين جدًّا في أثناء وجودهم بالمعمل، وممارسة حياتهم الطبيعية.

وعدم وجود مستشفى يرجع إلى طبيعة المكان الفريدة والبعيدة والمنعزلة عن العالم، إذ فيه عيادة ومعدات طبية، ولكن يصعب وجود مستشفى بكامل تجهيزاته، لصعوبة إدارة هذه الماكنات في درجة البرودة الشديدة التي قد تصل إلى 90 تحت الصفر في فصل الشتاء، إضافة إلى الظالم الدامس في القطب الجنوبي، حيث تغلق المحطة على العلماء الذين بداخلها، ويمنع الطيران منها وإليها خلال هذا الوقت.

يشرح الباحث المصري النظريات التي تتحدث عن اللحظات الأولى للكون: "نظرية الانفجار العظيم (Big-bang Theory)، وهي الأهم والأقرب تصديقًا بين العلماء في تفسير نشأة الكون وبدايته، وتشير تلك النظرية إلى أن الكون له بداية وله عمر يقدر بنحو 14 مليار سنة".

ويكمل: "عندما كان الكون في عمر الصفر كان كل الكون الذي نعيش فيه الآن بداخل نقطة متناهية الصغر شديدة الحرارة والكثافة، انفجرت لتصبح أكبر من حجمها الأساسي بمليارات المرات، ثم بدأ الكون في التمدد إلى أن أصبح مكانًا عظيمًا مليئًا بمليارات المجرات والنجوم والمجموعات الشمسية، والطاقة المظلمة، والمادة المظلمة وغيرها".

ويلفت الباحث المصري إلى أنه في عام 1964 لاحظ عالما الفلك روبرت ويلسون وآرنو بينزياس إشارة مجهولة في مرصدهما يسمعان لها صوتًا كـ"ششششش"، ولكنهما لا يعلمان أين مصدرها، واكتشفا فيما بعد أنها الخلفية الإشعاعية للكون، التي تنبأت بها نظرية الانفجار العظيم أنها تولدت في مراحل الكون المبكرة.

ويشير إلى أنه منذ تلك اللحظة أصبحت هذا النظرية الأكثر شيوعًا، وتصديقًا بين العلماء حتى الآن عن نشأة الكون، وحصل مكتشفو هذه الخلفية الإشعاعية للكون على جائزة نوبل سنة 1978 في الفيزياء.

وينبه إلى أنه ما تزال بعض الألغاز المفقودة في نظرية الانفجار العظيم، التي تحاول تفسيرها نظرية التضخم، والنظرية توقعت تولد موجات الجاذبية التضخمية حينما كان عمر الكون صغيرًا جدًّا من الثانية.

قدم د. سليمان مع فريقه تقريرًا علميًّا عن أحدث قياسات موجات الجاذبية، نشر في دورية "فيزيكز ريفيو ليتر" الشهيرة في أكتوبر 2021، وأوردوا فيه الاحتمالات الدقيقة للخواص الفيزيائية لهذه الموجات بالاستناد إلى البيانات المرصودة من تجربتهم العلمية بالقطب الجنوبي.

ويحاول في تجربته العلمية الفريدة مع فريقه الإجابة عن أهم الأسئلة البدهية التي يسألها الإنسان لنفسه: "كيف بدأ هذا الكون العظيم الذي نعيش فيه؟"، والاستجابة لأمر الله "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ"، برصد موجات الجاذبية التضخمية بدقة عالية.

ويخلد د. سليمان اسم فلسطين برفع علمها أول مرة في القطب المتجمد الجنوبي، فما دافعه إلى ذلك بجانب إيصاله رسالة لطلبة قطاع غزة؟ يجيب: "حبي لفلسطين وأهلها وفخري بهم، وبطلبتها، خاصة طلاب مدرسة لولوة عبد الوهاب القطامي، بعد دعوة معلمهم براء أسعد لي لعمل فيديو تعليمي؛ أيضًا إيماني الشديد بدور العلم في رفعة فلسطين وسط كل الدول المتقدمة؛ وتمنياتي لأبنائها أن يصبحوا أفضل مني، هذا الفيديو أدخل السرور إلى قلوبهم والسعادة إلى قلبي أيضًا".