مطالبة الطفل بالمثالية.. آثار نفسية تمتد لمراحل متقدمة

...
صورة أرشيفية
غزة/ هدى الدلو:

تقول رحمة عبدو إنها وقعت في بداية مشوارها التربوي في خطأ أدركته متأخرة، وهو الحماية المفرطة لأبنائها، إذ كانت هذه الحماية والخوف يدفعانها لعدم فرض أي مسؤوليات أو مهام عليهم، حتى بات أطفالها يرفضون تولي أي مسؤولية.

وتشير عبدو (35 عامًا) وهي أم لأربعة أبناء، إلى أنها أدركت مع التجربة أن التوازن سيد الموقف في التعامل مع الطفل وتعزيز قدراته وثقته بنفسه، وإيكال المهام والمطالب لتلبيتها.

ونشرت مجلة "كيوداتي بلوس" الإسبانية، تقريرًا تقول فيه، إن مبالغة الوالدين في مطالبة الطفل بإنجاز المهام المختلفة ليس أمرًا صحيًّا، وقد يؤدي إلى الشعور بالتوتر والقلق وتدني احترام الذات وعدم الثقة بالنفس، وهو ما يؤثر بدوره في شخصية الطفل عند البلوغ".

في المقابل فإن الكثير من الآباء يدفعون بأبنائهم نحو إنجاز مهام كبيرة وصعبة ظنًّا منهم أنها تنمي قدراتهم وتعزز ثقتهم بأنفسهم، وفي هذا السياق توضح المجلة أن المبالغة في رفع مستوى ذلك السقف ينذر بعواقب وخيمة عليهم، فلذلك لا بد من العمل على تحديد سقف المطالب المتعلقة بالأطفال.

وتقول نورا جابر وهي أم لخمسة أبناء، أمضت سنوات طويلة بعيدة عن أهلها، إنها انتظرت اكتمال نمو ونضح أبنائها سلوكيًّا وعقليًّا، لتتمكن من إيكال المهام إليهم وتكليفهم بها.

وتوضح أن المشكلة التي كانت تقع فيها أنها لم تكن تقدر إنجازهم ولم تعِ كيفية تقييم سلوكهم، ما يشعرهم أنهم أقل ثقة بقدراتهم.

المغالاة مرفوضة

وفي هذا الإطار يتحدث الاختصاصي النفسي الاجتماعي د. إياد الشوربجي أن من الخطوات التي يتعامل فيها الأهل مع الطفل في مراحل تربيته، إيكال مهام صعبة له لكونها تساعد على تقوية شخصية الطفل، وتزيد تقديره لذاته، والطفل يرى نفسه في مثل تلك المهام، حتى لو كانت بسيطة بالنسبة للأهل، فهي تعد إنجازًا للطفل، مثل تكليفه ببعض المهام المنزلية كترتيب غرفته، أو المشاركة في بعض أعمال المطبخ، أو التسوق وشراء الحاجيات التي تشعره بالفخر وتزيد تقديره لذاته.

ويقول: "ولكن أحيانًا تكليف الطفل ببعض الإنجازات المبالغ فيها، يؤثر في شخصيته، لكون إمكاناته وقدراته محدودة، فمطالبة الأهل الطفل بأعمال تفوق قدراته وإمكاناته تلحق أذى نفسيًّا به لأنها تشعره بالعجز والدونية وتتكون لديه صورة سلبية عن ذاته، وتضعف ثقته وتقديره لذاته، ما يتولد لديه شعور بالإحباط والفشل وتنعدم لديه أي رغبة للقيام بأي نشاط خوفًا من الفشل".

لذلك ينصح الشوربجي الأهل بفهم خصائص النمو الخاصة بكل مرحلة حتى يستطيع التعامل مع الطفل وفهم سلوكياته وردود فعله، والمهام التي يمكن أن تطلب منه، فمثلًا إذا توقع الأهل في مرحلة المراهقة أن الطفل سيستجيب لكل ما يطلب منه فهو ضرب من الخيال، لأن من خصائص هذه المرحلة الاستقلالية، وحب الاعتماد على ذاته.

ويشير إلى أنه يجب على الأهل تكليف الطفل بمهام يستطيع أن يقوم بها، واستخدام عبارات المديح والثناء في أثناء القيام بالمهمة أو بعد إنجازها، والعمل على تعزيز ثقته بنفسه، وعدم مطالبته بالكمال في الأعمال لكون المطالبة بالمثالية ستؤثر في نفسيته سلبًا.

الشخصية الانسحابية

وإزاء تأثير ذلك على الطفل في المراحل العمرية المتقدمة كالبلوغ، يلفت الشوربجي إلى أن شخصيته الطفل في الكبر هي نتاج تربية الطفولة، وخاصة أسلوب التربية في السنوات الخمس الأولى له تأثير في شخصيته.

ويضيف الشوربجي: "العلاقة التي يغلب عليها الحماية الزائدة أو الدلال المفرط وعدم تحميل الطفل المسؤوليات، أو العكس كمطالبته بالمثالية وإنجاز الأعمال بشكل كامل، يترك أثره في الوقت الحالي في الطفل ويسبب له مشكلات في المستقبل ترافقه طوال حياته، مثل: الشعور بالإحباط والفشل، وتتولد لديه رغبة في عدم خوض التجارب خوفًا من اللوم، ما يجعل شخصيته انسحابية وانهزامية".

ويشير إلى أهمية أن يخلق الآباء جو التحفيز بين الأبناء وبين الطفل ونفسه ليتنافس مع ذاته ويطور من شخصيته أولًا بأول ويتنافس مع الآخرين، وعليهم ألَّا يطالبوا الطفل بتحقيق الكمال في الأعمال حتى لا يتولد لديه أي شعور سلبي لعدم إنجازه كل المهام، ومراعاة الفروق الفردية والإكثار من عبارات المديح والتشجيع.