في بحث نوعي نال به الدكتوراة في علم الأجنة والبيولوجيا التطوُّرية

الطبيب عصفور يُصحِّح نظريةً طبيةً معمولًا بها منذ 20 عامًا

...
د. عصفور
غزة/ هدى الدلو:

بعد تعديله على النظرية الطبية المعمول بها منذ عشرين عامًا، فإنه لن يتوقف عند ذلك، بل سيلاحق العلم الحديث التراكمي -حسب نص تعريفه- فما أُنجز بالأمس يُبنى عليه اليوم، وما يُنجز اليوم سيُبنى عليه غدًا.

"سأواصل البحث في هذا المجال، أنا فخور بما توصلت إليه، وسعيد بشبكة الزملاء والمؤسسات التي بنيتها في أماكن مختلفة، سأواصل كذلك بناء الجسور مع زملاء ومؤسسات أخرى لتحقيق التعاون العلمي لإنجاز أبحاث على ذات قيمة عالية"، هذا ما تحدث به الدكتور حسن عصفور بعد تسجيله قصة نجاح ببحثه النوعي لنيل درجة الدكتوراة.

الفلسطيني عصفور (31 عامًا)، تخرج من الثانوية العامة في غزة بمعدل 97.9%، التحق بكلية طب في جامعة الأزهر في غزة وتخرج عام 2013، عمل طبيبًا ممارسًا لمدة عامين ثم حصل على منحة مؤسسة DAAD الألمانية لدراسة الماجستير في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، وحصل على درجة الماجستير في علم التشريح بتقدير امتياز عام 2017، ومنحة لدراسة الدكتوراة من مؤسسة الأمراض العضلية الفرنسية وحصلت على درجة الدكتوراة في علم الأجنة والبيولوجيا التطورية عام 2021، وحالياً يعمل طبيبًا ممارسًا في المستشفى الجامعي لجامعة ليستر في المملكة المتحدة.

دراسة الطب والعمل في هذا المجال طموح طفولي، غذاه بالاطلاع المتواصل على العلوم الطبيعية والحيوية في أثناء فترة التعليم ما قبل الجامعي، وعلى العلوم الطبية فيما بعد ذلك.

وقد كرس عصفور فكرة بحثه على الآلية البيولوجية والجزيئية المسئولة عن تكوين عضلات الأطراف لدى الأجنة.

يقول لصحيفة "فلسطين": "كانت الفكرة الأولية للبحث تفسير ظاهرة تغير شكل وحجم العضلات الطرفية في أحد أنواع الفئران المعدلة جينيًا، والطريف أن هذا المشروع كان مؤجلاً لمدة عشر سنوات لدى مشرفه لعدم إمكانية تحقيق دراسة تشريحية كاملة للعضلات، ومن حسن الحظ أنني قابلت مشرفي لأول مرة في برلين صيف عام 2016، عرضَ عليَّ فرصة العمل على هذا المشروع بحكم خلفيتي في علم التشريح، ولحسن الحظ مرة أخرى كان الأمر كما توقعت، قمت بتحديد أسماء العضلات التي تغير شكلها وحجمها وامتدت الدراسة بعد ذلك لتتناول سبب هذا التغير الذي حصل".

ويوضح عصفور أنه درس صحة النظرية القديمة التي تحكم بأن تكوين عضلات الأطراف لدى الجنين من خلال إشارات بيولوجية ترسلها الخلايا الجذعية/ الأولية للأنسجة الضامة (Tcf4-positive progenitor cells) الموجودة مسبقاً في المكان، بحيث تقوم هذه الخلايا ببناء خريطة جزيئية/خلوية (Cellular and molecular pre-pattern)، وبعدها تقوم بتأشير الخلايا الجذعية/الأولية للعضلات النامية بأن تترتب في توزيعات الخريطة الخلوية/الجزيئية المُعَدَّة مسبقًا.

وتوصل الطبيب عصفور إلى أن النظرية السائدة سابقًا هي أن العضلات تنمو بالتوازي كُلٌّ حسب مكان توزيع خلاياه الجذعية على هذه الخريطة البيولوجية، "وهذه النظرية تتبنى مبدأ أن الخلايا الجذعية للعضلات لا تملك أي معلومات مكانيّة، ولا تستطيع توزيع نفسها إلا من خلال خريطة بيولوجية مُعدَّة مسبقاً، تبنيها الخلايا الجذعية للأنسجة الضامة في المكان، وعليه فإن معظم العيوب الخلقية التي تصيب عضلات الأطراف ما زال يُعتقد بأنها نتيجة خلل في الخلايا الجذعية للأنسجة الضامة، وبالتالي فإن تقنيات العلاج ستستهدف هذه الخلايا".

الانطلاق من الخلايا الجذعية

وعمل الطبيب عصفور على تعديل النظرية السابقة المعروفة بنظرية (Muscle progenitor cell naivety in limb myogenesis )، حيث وافقت لجنة تحكيم الدكتوراة على هذا التعديل وتقديم النظرية الجديدة باسم: (Interplay of Myogenic progenitor cells & connective tissue progenitor cells in limb myogenesis.).

وكانت صاحبة النظرية السابقة البروفيسورة غابريل كاردون من جامعة آيوا الأمريكية على رأس لجنة تحكيم الدكتوراة، التي أشادت بهذا الإنجاز العلمي.

واستطاع عصفور الوصول إلى التعديل على النظرية المعمول بها منذ 20 عامًا من خلال عمل متواصل استمر لمدة أربع سنوات، حيث قام لأول مرة بإثبات أن الخلايا الجذعية للعضلات منذ نشأتها وحركتها في الطرف النامي لديها معلومات مكانية تنظمها من خلايا جينات (HOX) المسؤولة عن الترتيب المكاني للخلايا في الجسم، ولإزالة تأثير الخلايا الجذعية للأنسجة الضامة على الخلايا الجذعية للعضلات.

ويتابع عصفور حديثه: "بعدها قمت بإيقاف تأثير إشارات (BMP) الخلوية الصادرة من الخلايا الجذعية للأنسجة الضامة على الخلايا الجذعية للعضلات، وتمكنت من إعادة رسم الخريطة المكانية، التي تبين من خلالها أن الخلايا الجذعية للعضلات ليس لديها معلومات مكانية وحسب، بل إن تأثير تغيير توزيعها يؤدي إلى إعادة توزيع لخلايا الأنسجة الضامة الجذعية، ما يؤكد أنَّ كلا النوعين من الخلايا يتبادل الإشارات ليبني خريطة نهائية ومتكاملة لكل عضلة في مكانها الصحيح وبحجمها الصحيح وشكلها الصحيح".

وقد اعتمد في هذا البحث بشكل أساسي على تقنيات عزل الخلايا (FACS sorting)، وفك تسلسل الحمض النووي RNA sequencing))، وكذلك تقنيات التلوين المناعي والنسيجي، واستخدام فئران التجارب المعدلة جينياً بتقنية (Cre-recombination)، وأساليب الجراحة الدقيقة تحت الميكروسكوب من خلال (Microscopic cryosectioning of embryonic limb tissues).

ويرى أن هذه النظرية أعادت تفسير بعض العيوب الخلقية العضلية بشكل أكثر تفصيلاً، مثل اعوجاج المفاصل، وتَعقد آمالاً جديدة على أساليب جديدة للعلاجات المأمولة باستخدام تقنيات زراعة الخلايا، أو التعديل الجيني بتقنية "كرسبر".

ويطمح على مستوى شخصي لمواصلة البحث في كل ما يمكن البحث فيه، وعلى المستوى الجمعي العمل على توطين أساليب البحث والمعرفة العلمية الحديثة في فلسطين.