"واحد وعشرون خريفًا" هموم مروية بنكهة فكاهية

...
صورة أرشيفية
غزة/ مريم الشوبكي:

قضايا ومواضيع جادة مليئة بالألم أسقطت عليها صابرين أبو عسكر حسها الفكاهي، ضمتها بين دفتي كتابها (واحد وعشرون خريفًا)، حيث أوصل قالب الفرح المغزى من القصة إلى قلب القارئ قبل عقله.

مجموعة أبو عسكر القصصية عبارة عن قصاصات على جدار صفحتها اليومية في موقع "فيس بوك"، لتنهال عليها الطلبات بتجميعها وإصدار كتاب بها، أحداث لا تتخيل أن يكون للفكاهة مكان فيها، في خضم العدوان، وسوداوية البطالة وشح فرص العمل.

صابرين أبو عسكر من بيت لاهيا شمال قطاع غزة، أم لطفلين، تهوى الكتابة، في كتابها تسرد قصصًا واقعية نقلتها عن ألسنة أصحابها، وكتبتها بأسلوب يجذب القارئ ويدفعه إلى التبسم عنوة وهو يقرأ نصًّا سقف المعاناة فيه عالٍ.

تقول أبو عسكر لـ"فلسطين": "في (واحد وعشرون خريفًا) تناولت عدة تجارب حياتية اجتماعية، عاطفية، حكايات أشخاص حدثت وتحدث وستبقى".

وتضيف: "الكتاب فكرةً هو تحصيل كتاباتي في السابق، وتخليد لشعور الآخرين بشكل يليق بالحكايات التي تضمنها الكتاب، بغض النظر عن مشاعر الأسف والألم والخذلان التي كانت تسيطر على المجموعة عمومًا، بحيث لا أصادر شعور أبطال القصص".

من أجواء المدينة

وتبين أبو عسكر أن ما تناولته بشكل فكاهي هو الجزء الذي يخيم على المدينة عمومًا، أهمها كان مشكلة البطالة وقلة فرص العمل، إذ تعمدت استخدام السخرية نوعًا ما نظرًا إلى حال الشباب العاطلين عن العمل الذي يختصر في قول: "هم ببكي وهم بيضحك".

وفي مواضع أخرى كان الخريف في صورة حوار قصير دار بين اثنين من عناصر المقاومة في أثناء تنقلهما بين البيوت، خلال إحدى الحروب الإسرائيلية العدوانية على غزة، ليخففا عن أنفسهما وطأة الألم، وحالة الشتات التي تسيطر عليهما.

في قصة "حرب بنكهة المكسرات" تقُص صابرين: " يتعانقان ويتركان المجال للعيون؛ لتقطع العهد من جديد أن سنكمل الدرب مهما كانت النتائج، وخيالهم يذهب هنا وهناك للمنتظرين، المتلهفين لسماع أخبار تسُر، لعناق، للقاء يثلج الصدور، ليقطع يوسف الحديث الصامت بغيظٍ وتهكم: (ربك ستر، عارف على شو زعلان أكتر مني ومنك على كيس المكسرات اللي لسه ما انفتح)، ليسمع دوي انفجار جديد".

وتلفت أبو عسكر إلى أن المجموعة القصصية تتضمن أيضًا بعض النماذج الناجحة، التي صنعت لها أملًا من وسط الألم والعقبات لتخلق لنفسها روحًا جديدة.

ففي "قصة أربعون سنة إلا رجلتين" يضع الجميع أقداح القهوة لقراءة الفاتحة على أرواح الشهداء، في حين ينظر هو إلى كرسيه المتحرك الذي يكبر عمر ابنه الأوسط، وبضحكات ممزوجة بألم الفقد والشوق، يتحدث ساخرًا: "تخيلوا لو كنت واقف يوم المجزرة لطاروا رجليا اللي طاروا لما حضنهم الصاروخ، وكان عمري برضو أربعين سنة إلا رجلتين".

وفي قصة "بليط باللغة الإنجليزية" نسجت صابرين الحوار التالي:

يرد جود: "بإذن الله ستنهي جامعتك، يزيد عدد العاطلين عن العمل واحدًا".

ليقطع بلال حديثهم ساخرًا: "أخبروني ماذا استفدتم من الجامعات، وأعماركم تقترب من الثامنة والعشرين، بلا زواج وأولاد وبيت، وفي النهاية نجتمع في سيارة يكاد هيكلها يلتصق بالأرض ونعمل تحت رحمة المعلم الذي لم ينهِ المرحلة الإعدادية من تعليمه".

يخبره جود بتهكم: "أنا حبلط من الشمال لليمين، عشان خاطر التربية الإنجليزي".

أما رامز فيقول: "أنا كنت أتغزل بماسورة المية، وأقول لها: لا تسرسبي الماء حتى لا نتسرسب في فم المقاول".

تجسيد الواقع

وعن فكرة الكتاب توضح أن فكرته جاءت من إيمان بعض القراء بكتاباتها في مواقع التواصل الاجتماعي من الأصدقاء، والعائلة، وزوجها، والمهتمين بالقراءة والكتابة، ومطالبتهم بتجميع قصصها وحكايات أبطالها في كتاب، والخروج من حلقة المواقع، فيقتني الكتاب أشخاص مهتمون آخرون، وتتعلم مواطن القوة والضعف لتطور من أسلوبها في الكتابة.

وعن الصعوبات التي واجهتها، تجيب أبو عسكر: "الصعوبات ليست في مرحلة الكتابة والتجميع، بقدر ما كانت في مرحلة الكتابة من الورق على جهاز حاسوب، فنظرًا لعدم توافره كنت أستعيره من صديق".

وتتابع: "والمشكلة الأخرى كانت عندما بدأت في مرحلة النشر، بدايةً دائمًا تكون هناك صعوبات ويضطر الكاتب الناشئ أن يقدم بعض التنازلات ليرى عمله الأول النور، فيزول كل هذا التعب أمام رأي منصف من قارئ أو ناقد".

وتشير إلى أنها تجسد الواقع الذي تعيشه بكلمات تخفف من حدته وكآبته عمومًا: "في النهاية لا أستطيع أن أنفصل عن الواقع وأنسلخ عنه وأنا أعيشه بكامل تفاصيله، وأعيش بين نماذج عديدة من أبطال الحكايات".

وعن تعمدها استخدام أسلوب الفكاهة؛ تبين أنها تعمدت استخدامه لغض النظر قليلًا عن الألم المتجسد في مشاهد عديدة متناثرة في المجتمع: "ربما إذا تأقلمنا مع هذا الأمل تخف حدته وأثره، في النهاية أصبح الأغلبية يلجأ إلى القراءة من أجل التفريغ النفسي، للابتعاد عن ضغوطات الحياة، فكانت الفكاهة اختيارًا في موضعه".

وتطمح أبو عسكر أن ينال عملها الأول إعجاب الجميع كما نال إعجاب من قرأ ونقد، وأن تواصل ما حلمت به منذ الصغر ليصبح لها اسم لامع ومحل ثقة عند القراء وفي عالم الأدب، وأن من لم يجد نفسه في هذا الكتاب يجدها في الرواية القادمة، إذا تيسر أمر النشر في هذه الظروف الصعبة.