تتقاطع قراءات حقوقية مستقلة بشأن الاستقالات التي شهدتها منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية عند خلاصة واحدة مفادها أن تعليق تقرير يتناول إنكار حق عودة اللاجئين الفلسطينيين لا يمكن فصله عن ضغوط سياسية ممنهجة تطال عمل منظمات حقوق الإنسان الدولية عندما تقترب من جوهر القضية الفلسطينية.
ويرى خبيران حقوقيان أن ما جرى لا يشكل خلافا إجرائيا أو قانونيا، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بتآكل استقلالية القرار الحقوقي، وتغليب الحسابات السياسية على الالتزام بتطبيق القانون الدولي دون انتقائية.
واعتبرا أن الاستقالات تمثل مؤشرا خطيرا على اهتزاز الثقة داخل المنظومة الحقوقية الدولية، وتحمل تداعيات تتجاوز منظمة بعينها إلى مصداقية العمل الحقوقي برمته، خاصة في ما يتعلق بحقوق غير قابلة للتصرف، وعلى رأسها حق العودة وتقرير المصير.
استقالات احتجاجية
وأعلن موظفان في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، يشكّلان كامل فريق المنظمة المعني بفلسطين ودولة الاحتلال الإسرائيلي، استقالتهما من منصبيهما، على خلفية قرار الإدارة تعليق نشر تقرير خلص إلى أن حرمان الاحتلال الإسرائيلي للاجئين الفلسطينيين من حق العودة يُشكّل جريمة ضد الإنسانية.
وبحسب رسالتي استقالة منفصلتين اطّلعت عليهما صحيفة الغارديان البريطانية، قال رئيس الفريق عمر شاكر، والباحثة المساعدة ميلينا أنصاري، إن قرار سحب التقرير خالف آليات الموافقة المعتمدة داخل "هيومن رايتس ووتش"، وعكس تغليب المخاوف من ردود الفعل السياسية على الالتزام بتطبيق القانون الدولي.
وذكر شاكر في رسالة استقالته أنه فقد الثقة بنزاهة طريقة إنجاز العمل داخل المنظمة وبالالتزام بالتقارير المبدئية القائمة على الوقائع وتطبيق القانون، مؤكداً أنه لم يعد قادرًا على تمثيل أو العمل لدى "هيومن رايتس ووتش". وأثارت الاستقالتان اضطرابًا داخل واحدة من أبرز منظمات حقوق الإنسان في العالم، بالتزامن مع بدء المدير التنفيذي الجديد فيليب بولوبون مهامه.

رئيس فريق المنظمة المعني بـ"فلسطين وإسرائيل"، عمر شاكر
وقال شاكر إن تجربته تُظهر أنه رغم اتساع تداول مفاهيم "الفصل العنصري" و"الإبادة الجماعية" و"التطهير العرقي" في النقاش العام المتعلق بـ"إسرائيل"، فإن "حق العودة" لا يزال موضوعًا شديد الحساسية، حتى داخل "هيومن رايتس ووتش"، مضيفًا أن معاناة اللاجئين وحقهم في العودة ما زالا يواجهان ترددًا في التطبيق المبدئي للقانون والوقائع.
ويحمل التقرير غير المنشور عنوان "أرواحنا في البيوت التي تركناها: إنكار إسرائيل حق الفلسطينيين في العودة وجرائم ضد الإنسانية"، وبدأ العمل عليه في كانون الثاني/يناير 2025 كمتابعة لتقرير سابق عن النزوح الداخلي في غزة. ووثّق التقرير، المؤلف من 33 صفحة، تجارب فلسطينيين نزحوا من غزة والضفة الغربية ولاجئين في لبنان والأردن وسوريا هُجّروا عامي 1948 و1967، ويعانون أوضاعًا معيشية قاسية.

الباحثة المساعدة في فريق المنظمة المعني بـ"فلسطين وإسرائيل"
وخلص معدّو التقرير إلى أن إنكار حق العودة يندرج ضمن جريمة ضد الإنسانية تُعرف بـ"الأفعال اللاإنسانية الأخرى"، استنادًا إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وقرارات قضائية سابقة، من بينها قرار تمهيدي عام 2018 بشأن الروهينغا.
وكان من المقرر نشر التقرير في 4 كانون الأول/ديسمبر 2025، إلا أن مسؤولين كبار طرحوا لاحقًا فكرة تأجيله بدعوى ضعف الخلاصة القانونية. وعلى إثر قرار التعليق، وقّع أكثر من 200 موظف في المنظمة رسالة احتجاج حذّروا فيها من تقويض الثقة والشفافية في آليات المراجعة.
ويُذكر أن السلطات الإسرائيلية رحّلت شاكر عام 2019 بسبب نشاطه الحقوقي، فيما ختم بالقول إن الفلسطينيين الذين قابلهم يستحقون معرفة سبب عدم رواية قصصهم، معتبرًا أن معاناتهم المستمرة في اللجوء كانت من أصعب ما واجهه خلال عمله.
قرار سياسي
علي هويدي، المدير العام للهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين، قال لـ "فلسطين أون لاين": "عدم نشر تقرير هيومن رايتس ووتش المتعلق بإنكار حق عودة اللاجئين الفلسطينيين لا يمكن قراءته كخلاف قانوني تقني، بل كقرار سياسي بامتياز، يعكس حجم الضغوط الهائلة التي تتعرض لها منظمات حقوق الإنسان الدولية عندما تقترب من جوهر القضية الفلسطينية، أي حق العودة وتقرير المصير".

المدير العام للهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين، علي هويدي
وأضاف هويدي: "نحن أمام سابقة خطيرة، حين تُنجز فرق بحث تقريرا موثقا يستند إلى القانون الدولي ونظام روما الأساسي، ثم يُعلّق نشره خوفا من التداعيات السياسية، لا بسبب ضعف الأدلة أو الوقائع. هذا يقوض مبدأ استقلالية العمل الحقوقي، ويفتح الباب أمام تسييس معايير العدالة الدولية".
وتابع: "حق العودة ليس مطلبا سياسيا قابلا للأخذ والرد، بل حق فردي وجماعي غير قابل للتصرف، ومكفول بقرارات أممية واضحة، وفي مقدمتها القرار 194، وبمبادئ القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. التعامل مع هذا الحق باعتباره ‘موضوعا حساسا’ يعكس خللا أخلاقيا وقانونيا في مقاربة معاناة ملايين اللاجئين الفلسطينيين".
وأشار هويدي إلى أن ما جرى داخل هيومن رايتس ووتش يكشف أزمة أوسع، قائلا: "ما يحدث اليوم يفضح واقعا مقلقا، وهو أن منظمات حقوق الإنسان، رغم خطابها المعلن، ليست بمنأى عن الضغوط السياسية والمالية، خاصة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. هذه الضغوط تؤثر بشكل مباشر على قرارات النشر، وصياغة التقارير، وحتى على اختيار المصطلحات القانونية المستخدمة".
وأكد أن الاستقالات تعكس أزمة ثقة عميقة "استقالة كامل فريق فلسطين داخل المنظمة، واحتجاج مئات الموظفين، مؤشر واضح على أن المشكلة ليست في تقرير واحد، بل في منظومة اتخاذ القرار. عندما يفقد الباحثون ثقتهم بنزاهة آليات المراجعة، فهذا يعني أن مصداقية المؤسسة ككل باتت على المحك".
اقرأ أيضًا: باحثان في "هيومن رايتس ووتش" يستقيلان بعد حجب تقرير حول حق الفلسطينيين في العودة
وختم هويدي بالقول: "الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى تعاطف انتقائي، بل إلى تطبيق متسق وغير مزدوج للقانون الدولي. إسكات تقارير تتعلق بحق العودة يعني إسكات صوت اللاجئين أنفسهم، وحرمانهم من أبسط حقوقهم: أن تُروى قصتهم كما هي، وأن يُعترف بأن ما يتعرضون له جريمة مستمرة، لا خلافا سياسيا عابرا".
"ليس حدثا عابرا"
من ناحيته، يرى شعوان جبارين، المدير العام لمؤسسة الحق في تصريح لـ "فلسطين أون لاين" استقالة فريق فلسطين داخل هيومن رايتس ووتش "ليس حدثا إداريا عابرا، بل مؤشر خطير على أزمة عميقة تضرب نزاهة منظومة حقوق الإنسان الدولية، وتكشف حدود الاستقلالية عندما تلامس التقارير جوهر الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.”
وأضاف جبارين: "عندما ينسحب باحثون بسبب تعليق تقرير موثق قانونيا حول حق العودة، فهذا يعني أن المشكلة لم تعد في الأدلة أو المنهجية، بل في الإرادة السياسية. تعليق التقرير يبعث برسالة سلبية مفادها أن بعض الحقوق، وعلى رأسها حق تقرير المصير وحق العودة، ما زالت تخضع لميزان القوى لا لميزان القانون".

المدير العام لمؤسسة الحق، شعوان جبارين
وحذّر من تداعيات أوسع لهذه الخطوة "هذه الاستقالات تترك أثرا مباشرا على مصداقية منظمات حقوق الإنسان أمام الضحايا، وتطرح سؤالا جوهريا: كيف يمكن للضحايا أن يثقوا بمؤسسات تتراجع عن نشر تقاريرها تحت الضغط؟ إن تآكل الثقة هذا لا يقتصر على منظمة واحدة، بل ينعكس على المنظومة الحقوقية الدولية برمتها".
وفي ما يتعلق بالضغوط الدولية والإسرائيلية، قال جبارين: المنظمات الحقوقية الدولية تتعرض منذ سنوات لضغوط سياسية ومالية وإعلامية ممنهجة، خاصة حين يتعلق عملها بفلسطين. هذه الضغوط لا تُمارس فقط عبر الحملات التشويهية والاتهامات الجاهزة بمعاداة السامية أو الانحياز، بل أيضا عبر الضغط على الممولين، والتأثير في بيئات العمل، وخلق كلفة سياسية لأي موقف قانوني واضح تجاه إسرائيل".
وأكد أن "إسرائيل" تلعب دورا مركزيا في هذا المسار "إسرائيل لا تخفي عداءها لمنظومة القانون الدولي، وهي تمارس ضغوطا مباشرة وغير مباشرة على المؤسسات الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصا في قطاع غزة. خلال الحرب، أوقفت إسرائيل أو قيّدت عمل أكثر من 30 منظمة دولية وإنسانية، عبر سحب تصاريح، ومنع دخول موظفين، وعرقلة إدخال المعدات والمساعدات، واستهداف البنية التحتية التي تعتمد عليها هذه المؤسسات في عملها".
وأضاف: "ما يجري في غزة هو نموذج صارخ لكيفية استخدام إسرائيل للسيطرة الميدانية كأداة لإسكات الشهود. منع المنظمات من العمل، أو إخضاعها لشروط قسرية، هو محاولة لمنع توثيق الجرائم، وتجفيف مصادر المعلومات، وفرض رواية واحدة على المجتمع الدولي".
وربط جبارين بين ما يحدث في غزة وما جرى داخل هيومن رايتس ووتش "حين تُمنع المؤسسات من العمل على الأرض، وتُقيَّد التقارير في المكاتب المركزية، فنحن أمام مشهد واحد بأدوات مختلفة: إسكات الحقيقة. هذا يشكل تهديدا مباشرا لمبدأ المساءلة، ويقوّض الأسس التي قامت عليها حركة حقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية".

