بـ "قفاز ريبوتي" ينتظر احتضانًا ليرى النور

مهندس فلسطيني يعيد إيقاع الحياة لمشلولي الأطراف جزئيًّا

...
القفاز الريبوت
غزة/ يحيى اليعقوبي:

تسلّل إلى قلبه شعورٌ غمره بالطّمأنينة والفرح، لحظة إعلان فوزه بالجائزة الفضية لمسابقة ملتقى التحدي والابتكار في قطر بعد تجاوزه مرحلتين من التصفيات، فكان الإعلان تتويجًا لإسهامه الإنساني بابتكار "قفاز ريبوت" يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي ويساعد بعودة حركة اليد لأصحاب الشلل الجزئي.

خلال أيام الملتقى كانت أنظار الرواد تتجه إلى الدكتور الفلسطيني الشاب أحمد بديع المصري وهو يرتدي قفازًا أسود تَكْسِر سواده خطوط زرقاء وغلاف بلاستيكي تمتد منه أسلاك متصلة بجهاز تخزين بيانات ربط بساعده؛ وهي الأخرى متصلة بقاعدةِ بيانات على محوسبة.

يعيد المصري بهذا الابتكار الأمل لفئة فقدت القدرة على استخدام أطرافها لعوارض مرضية، فبالكاد باتت قادرة على حمل أخف الأشياء. يقف أمام زاويته التي يعلوها علم فلسطين، ويضع بعض الكرات الإسفنجية للقيام بالتجارب أمام الزوار الذين جذبهم الابتكار.

يتكون الريبوت من مجسات ضغط وإحساس، وقفاز ميكانيكي مع قابلية التمدد عبر استخدام مشدات مطاطية، ودائرة تحكم وتخزين بيانات.

ويحفز "القفاز الريبوت" مشلولي اليد جزئيًا على إعادة الحركة لأيديهم بعد جلسات التأهيل، ويستهدف ذوي الإعاقة الحركية الذين يعانون شللًا جزئيًا في أطرافهم العلوية أو الذين يعانون ضعفا في حركة أيديهم، وهو لا يخدم مبتوري الأطراف.

ويتتبع "القفاز الريبوت" حركة اليد من خلال مجسات إحساس حركية تتصل بالجسم وتعتمد على خوارزمية تمكنه من التعامل مع أي مادة وفق وزنها.

ويساعد الجهاز ذوي الأطراف العلوية المتعطلة على فتح أصابعهم، وهذا يعني إمكانية ممارسة تمارين إعادة التأهيل داخل المنزل بفعل مجسات دُمِجت بالريبوت، تمكنه على سبيل المثال من ممارسة تمرين الضغط على كرة إسفنجية عشرين مرة، وفي نهاية التأهيل يحصل المريض على تغذية راجعة لمقدار وقوة الضغط لكل إصبع، ومقدار الضغط الكلي ليده، تحددها الخوارزميات القائمة على الذكاء الاصطناعي، وهذه التغذية تمكنه من زيادة التدريب والحصول على قوة أكبر، وتحديد الكفاءة ومستوى التقدم في التأهيل.

حصل المصري على درجة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية من الجامعة الإسلامية بغزة، وعلى درجة الماجستير في هندسة التحكم والأتمتة من جامعة بوترا – ماليزيا عام 2015م، وأكمل مشواره التعليمي فحصل على شهادتي دكتوراة واحدة في الهندسة الطبية الحيوية من الجامعة الماليزية ذاتها، والأخرى من كلية الدراسات العليا في علوم الحياة وهندسة النظم من معهد العلوم للتكنولوجيا في اليابان عام 2019، وقد نشر أكثر من 12 بحثًا علميًا، وشارك في أكثر من عشر مؤتمرات دولية.

إسهام إنساني

لم تقف مسافة السفر الطويلة من قطر إلى اليابان حائلا أمام إطلالة المهندس الغزي من نافذة صحيفة "فلسطين" على أهالي القطاع الذين كان بينهم في زيارة قصيرة خلال الفترة الماضية، بردت شوقه لعائلته ومنزله ولبحر وسماء القطاع المحاصر.

يقول المصري إنه يحاول بهذا الإنجاز زرع بذور الأمل في نفس كل من يعاني ضعفًا في حركة يده أو شللاً جزئيًا.

ويوضح أن الفكرة "نبعت من مشاهد المعاناة لأصدقاء مشلولين، وكوني متخصصًا في الهندسة أحببت تطويع الهندسة لخدمة المجال الطبي". ولتحقيق ما يقوله، قرأ الكثير من الأبحاث العلمية عن ذوي الإعاقة، وكان السؤال الذي يراوده: "كيف يمكن تطويع الهندسة والتكنولوجيا لحل المشكلة؟!"، لتلمع في عقله فكرة قفاز الريبوت.

ويشير إلى أن الفكرة هي محصلة مشروع رسالة الدكتوراه، وتوجت بنشر الجهاز الذي يساعد في دمج ذوي الإعاقة، "ولتكوين الجهاز عكفت على قراءة أبحاث علمية لمعرفة مشكلات ذوي الإعاقة، وهذا الفوز بالمسابقة يمثل لي دافعًا للاستمرار خاصة في الجانب الهندسي الطبي، وحافزا لتطوير الريبوت وإضافة مزايا أخرى لديه متعلقة بالتكنولوجيا وربطه بتطبيق الجوال ليصبح أسهل على المريض".

كيف يعمل القفاز؟

يضيف: "القفاز قائم على خوارزمية الذكاء الاصطناعي، لذلك درَّبت مجسات إحساس على قواعد بيانات تضم أكثر من مليون ونصف عينة من البيانات، تُستخدَم عبر ربط إشارات بين الدماغ واليد، ويمكن تطبيق الخوارزمية بنفس الكيفية داخل الصالات الرياضية لقياس قوة الضغط".

لكن لم يكن تطبيق الفكرة سهلاً، فهناك مئات المجسات، وهذا ما جعله يبحث كثيرًا عن الأفضل؛ يزيح الستار عن بعض كواليس التعقيدات التي واجهته: "هناك المئات منها لكننا نريد مجسات لا تتعارض مع جلد الإنسان ولا تتسبب بحساسية" هنا أعد أبحاثا عن نوعية المجسات".

ثم واجهته المشكلة ذاتها في وجود مئات الخوارزميات لاختيار الأنسب للعمل والتي عليها التنبؤ بالإحساس عند ممارسة التأهيل، "التعقيد هنا بدمج عدة خوارزميات قائمة على الذكاء الاصطناعي من أجل التنبؤ بقوة الضغط لدى صاحب الريبوت وحسابها، وهناك البيانات المستخرجة من جلسة التأهيل؛ ما يحتم العناية بحساب البيانات للوصول لرقم حقيقي يمثل ويعكس ما قام به الشخص من خلال عملية جلسة التأهيل، والأصعب عملية دمج المجسات بالريبوت الميكانيكي".

يغني الجهاز مَن يعانون الشللَ الجزئي عن الذهاب للمشفى وإجراء جلسات علاج التأهيل، ولن يكونوا بحاجة لوجود طبيب يشرف عليهم في كل جلسة، لكن ولكي يرى النور "بحاجة لاحتضان وتمويل لإخراجه إخراجًا نهائيًّا يلائم المرضى، وهذا هو هدفي من المشاركة بالملتقى".