تظهر أكثر وضوحًا في المراهقة

متلازمة الطفل غير المرئي.. هكذا تؤثر في الحياة الاجتماعية والنفسية

...
صورة أرشيفية
غزة/ هدى الدلو:

نشرت مجلة "لامنتي إس مارافيوسا" الإسبانية تقريرًا تقول فيه: إن "الطفل الذي لا يحظى بالاهتمام الكافي من والديه على المستوى العاطفي، يتعزز لديه بمرور الوقت شعور بأنه غير موجود أو غير مرئي، ومن هنا جاءت تسمية متلازمة الطفل غير المرئي".

تعد هذه المتلازمة حالة نفسية تحدث نتيجة اللامبالاة أو الإهمال أو هجر الوالدين للطفل، ويمكن أن تسبب عواقب وتبعات تستمر مدى الحياة، وفقًا لمختصين في علم النفس الاجتماعي.

ويوضح الاختصاصي د. إبراهيم التوم المتلازمة أكثر شيوعًا بين الأطفال وتجعل الطفل يرغب في التواري عن الأنظار وعدم لفت الانتباه من قبل أي شخصٍ بما في ذلك المعلمون والأطفال الآخرون، "وعادة ما يكون هذا السلوك نتيجة الإهمال وسوء المعاملة من قبل الأهل أو حتى المشرفين على تربيته وتعليمه، إذ يشعر الطفل بأنه محاصر وغير قادر على الهروب".

ويوضح التوم لصحيفة "فلسطين" بأن المتلازمة تصيب في الغالب الأطفال في سن الثالثة، ويمكن أن تظهر أعراضها في أيِّ وقتٍ في مرحلة الطفولة.

ويقول: "يطوّر الطفل المصاب هذه المتلازمة في مرحلة الطفولة المبكرة، اعتقادًا بأنه قويّ بما يكفي لإلقاء اللوم على نفسه في مشاكل أسرته، ويشعر أنه يريد تحقيق الكثير ولكن لا مكان له في الأسرة ولا حتى في المجتمع والحياة".

في متلازمة الطفل غير المرئي يتعلّم باكرًا أن يكون هادئًا، ويقضي وقته في أحلام اليقظة والتخيل وخلق عوالم في ذهنه، يكون فيها أكثر سعادة من عالمه الحقيقي، كما يوضح التوم.

وللتغلّب على المتلازمة، يلفت إلى أنه ليس بالأمر السهل أن يتخطى الطفل للإهمال والإساءة في مرحلة الطفولة، إذ يتطلب الأمر تدخلًا طبيًّا بمساعدة الأهدل ويستغرق الكثير من الوقت والجهد.

ويتابع حديثه: "الخطوة الأولى والأهمّ هي زيارة الأخصائي النفسي في البداية، ستكون العلاقة التي يشكلها الطفل الذي يعاني هذه المتلازمة سطحية للغاية، ما يعني أنه لن يكشف الكثير، ولكن مع الوقت وبعد عدة زيارات، يمكن أن يشعر الطفل بالراحة ويكسب الأخصائي النفسي ثقته فيُطلعه من ثَم على كلِّ المخاوف التي تراوده، في الواقع إن العلاج الإدراكي السلوكي يمكن أن يساعد على تحديد أسباب المشكلة ويعلّم الطفل كيفية التعامل معها".

أمّا بالنسبة للخطوة الثانية، فمن الضروري أن يفهم الأهل معاناة طفلهم من الإهمال العاطفي والوحدة وحاجته للاحتواء، وإظهار حبّهم واهتمامهم له كطريقة للتقليل من أعراض هذه المشكلة النفسية.

وتبعًا للدراسة الإسبانية، يؤدي التقصير العاطفي مع الطفل إلى ميله إلى العزلة، لكن الأخطر من ذلك أنه يجعله يشعر بالذنب ويعتقد أنه يستحق ذلك الإهمال من والديه.

وتلفت إلى احتمالية تطور المتلازمة مع تقدم الطفل في السن، بحيث يظهر ميلًا للتمرد وتحدي سلطة الوالدين، "وعادة ما يكون الطفل المصاب بهذه المتلازمة سريع الغضب عند التعامل مع أقرانه، بسبب عدم الثقة في الذات والشعور المستمر بالذنب، ويقوده ذلك إلى الكثير من التجارب الاجتماعية المؤلمة".

تأثيرات اجتماعية

من جهته، يقول الاختصاصي النفسي زهير ملاخة: "إن المتلازمة خليط من المشاعر السلبية تتسلل إلى الطفل نتيجة شعوره بالإهمال واللامبالاة، وتظهر في صورة حزن واغتراب عن الأسرة وعزوف عن المشاركات الطفولية".

في المقابل يؤكد ملاخة لـ"فلسطين" أن المتلازمة تظهر أكثر وضوحًا في مرحلة المراهقة، إذ يتعزز شعور المراهق بعدم تقدير الذات والإحساس بعدم الأمان في البيئة الاجتماعية.

وينبه إلى أن التأخر في الاحتواء يضاعف الأعراض وتزداد عندما يدخل الطفل في سن المراهقة، ويصبح عصبيًّا والتوتر حاضرًا بقوة في التعامل مع زملائه ومحيطه، وتبدأ معالم ضعف الثقة بالذات حاضرة سلوكيًّا، وحتى في تعبيره لفظيًّا عن ذاته، كما تظهر له أعراض الشعور بالدونية والنقص مع أقرانه.

ويبين ملاخة أن المتلازمة تقود إلى ضعف المهارات الاجتماعية والوجدانية، وقصور في القدرات الشخصية، ومحاولات تعويض جوانب النفس بسلوكيات دفاعية سلبية كالتنمر أو العدوانية أو حتى ممارسة بعض الآفات أو محاولة تقليد بعض المظاهر المفرطة وغير المتزنة.

ويوضح أن الاستمرار بتلك المشاعر قد تجعل صاحبها يجد نفسه ينتقل تدريجيًّا من الحزن إلى الألم ومن ثم إلى الاضطراب والمرض، ويصبح الأمر معقدًا أكثر، ويحتاج إلى تدخل نفسي وعلاجي وسلوكي.

ويشدد على أهمية حماية الأطفال بإظهار حسن المعاملة ومشاعر الحب والقبول والاهتمام، وحسن المعايشة والرفق والود والرحمة والصحبة.

وينصح ملاخة الأهل بأن تبقى الملاحظة حاضرة فإذا ما شعروا بوجود أي مظهر أو تصرف يشير إلى حزن أو ألم أو تقصير، فيجب المتابعة والمعالجة أولًا بأول حتى نحفظ على أبنائهم وأجيالهم بالسلامة والصحة والعافية.