الموصالحة

لقد تأكد للأطراف كافة وخاصة مصر أن عباس سبب تدمير المصالحة وخاصة بعد إلغائه الانتخابات التي مثلت بوابة أمل لترتيب البيت الفلسطيني، وذلك لخوفه الشديد من حماس وفوزها، فضلًا عن سلوكه الفوقي المعتاد مع جميع خصومه، وخشيته أن يُدرج في الحصار وفقدان دوره ومن الواضح أن تأثير مصر على عباس تضاءل، لعدم توفر قدره سياسية ومالية لدعم المصالحة، فضلًا عن هاجس الإخوان، وضغط تشديد الحصار وصولًا لفرض الشروط، وتضييق أفق التحرك الضيق أساسًا، وما يلزمه ذلك من العمل على الخروج من عنق الزجاجة وفق سياسة "إبقاء الرأس فوق الماء"، خاصة في ظل حرص لا تخطئه العين على إحداث انهيار اقتصادي في غزة على طريق الانهيار الاجتماعي والصراع الداخلي.

وأمام هذا الركود في المصالحة لا بد من التقييم المستمر لها، وإعادة التموضع، وإدارة الوضع الراهن بحكمة وتوازن يمنع الرضوخ ويكشف السوءة، والتقدم خطوة خطوة بثقة، مع التزام المسؤولية، وخاصة في ظل تراجع شعبي مخيف في مستوى الثقة وحالة إحباط متزايدة.

ودعوتنا قائمة للاستمرار في المصالحة بجدية ومسئولية، مع تأكيد أن المصالحة ليست بين حماس وفتح فقط وإنما تضم المجموع الوطني والمجتمعي، ولكن الجهة التي تمثل جهة تنفيذية مسئولة الرئيس عن رفع الخطوات الانتقامية، وأن تعزيز الموقف الإيجابي مسؤولية جماعية، بإنقاذ الانتخابات بكل مراحلها، ومن الضروري أن يلتقي عليها الجميع لترميم البيت الفلسطيني بكل مكوناته.

جاء إلغاء الانتخابات صاعق تفجير غير مألوف وخطر في العلاقة الداخلية، ومع تأكيدنا أن الخلاف السياسي يدار بالحوار، وأن هذا الإلغاء مدان، والمتهم الرئيس صاحب قرار الإلغاء الذي أعاد توتير الساحة، وتقع عليه مسئولية الترميم، خاصة في ظل خطاب إعلامي متردد مريب يخرج أحيانا عن جميع القيم وقواعد الدبلوماسية والأعراف الوطنية. وفي مواجهة هذا التدهور يجري سباق مع الزمن للأجهزة الأمنية في الضفة لإحكام القبضة على مشهد الضفة المتوتر بعد اغتيال نزار بنات. وحتى يُكشف المستور ويسقط القناع عن الوجوه والأيدي الآثمة سيبقى فتيل الصاعق في الضفة قابل لاشتعال غير مسبوق في مواجهة الاحتلال والتنسيق الأمني كمشروع خياني، ومهم كشف القتلة ومحاكمتهم وإتمام مراسم إسدال الستار عن جريمة أرهقت كاهل حقوق الإنسان والحريات وفاقمت شرخ الانقسام، وأضعفت الحق الفلسطيني في مواجهة عربدة الاحتلال.

المجلس الوطني واللجنة التنفيذية يمثل خيال مآتة وفزاعة، مع علم الجميع أنه مجلس متهالك هرم لا يمثل النسيج الوطني، وتجمعات شعبنا الفلسطيني في الشتات بدأت تلملم متفرق أمرها بعيدًا عن جسم أكل عليه الدهر وشرب، بل إن الجبهة الشعبية كثاني أكبر فصيل في المنظمة أعلنت في وقت سابق مقاطعتها المجلس الوطني الفزاعة، ومن هنا فإن مصالحة جادة عنوانها الرئيس انتخاب مجلس وطني فلسطيني يعيد الاعتبار لقضية فلسطين كقضية تحرر وطني وخلاص من الاحتلال وليست ارتزاق وبطاقات شخصية هامة تدخل عبر الحلابات الاحتلالية.

في المقابل يحاول أن يوهم أبو مازن نفسه أو الشعب الفلسطيني أنه يستعد للدخول في معركة مع الاحتلال وأمريكا مشهرًا في كل مرة فزاعة محكمة الجنايات، ولكنه لا يطلق النار إلا على غزة، ويمارس علنًا حصار غزة الذي يخدم في النهاية الاحتلال.

الخرق في جدار الموصالحة بيِّن وجهة الخرق معلومة والعودة إلى الترميم واضحة ظاهرة والمطلوب جرأة في اتخاذ القرار بترميم البيت الفلسطيني بكل مكوناته.