في يوم وفاء الأحرار.. رسالة إلى سيد الوفاء

 

عندما يتمنطق الرجل بالشهادة عنوانًا ويحاصر الموت.. يبصق في وجه السجان.. يتجاوز حدود المكان.. تعلم أن لونًا نادرًا من أولئك الأفذاذ الذين صرخوا في وجه فرطقات التقوقع والهزيمة يشمخ أمامك.

سيد الوفاء.. أحمد الجعبري أعلن استشهاده قبل أن يستشهد، وأغلق أمام نفسه كل الخيارات، ولم يبقَ إلا خيار الاستشهاد.. معلم تلك الشخصية المجاهدة في كل الميادين الصبورة على تنوع المحن والابتلاءات، يردد أمام الجميع دومًا: قد أعطينا البيعة لله.

لا يعرف الخوف طريقًا إلى قلبه.. تبدلت الأيام والأشخاص.. تغير الزمان وتقلَّبت قلوب.. وبقي يدافع عن خياره الأوحد...إطلاق سراح الاسرى رغم أنف الاحتلال. ويحاصر الهزيمة.. يبقيها في زاوية الوهم بتبديد الوهم.. ويصفق الباب مقفلًا خلفه همهمات العبث وترانيم التراجع.. وارتقى صهوة المجد ودلف من بوابة الشهادة والاصطفاء الذي يقدره الله لأوليائه الصالحين.

ارتقى بعد أن غدا علمًا من أعلام حماس والقسام والجهاد والمقاومة وفلسطين، وشجرة وارفة الظلال يلتجأ إليها المجاهدون، فيجدون في ظلها سلوى الغربة، وحرارة الثأر، وصيانة البيعة.. فلم يكن يقنع بأقل من العمل الدائم الدائب وفاء للأسرى.. وها هو يتصاعد، ويحلق في سماء الوطن المسجى في اغتراب وألم، وها هي غزة التي عشقها تنهض شامخة تعبر بصبر حدود اليأس ليصل عياشها إلى 250 بعد أن خطط الجمع المنهزم أن تحترق وحيدة بين الموت والحصار والحزن والأسلاك الشائكة.

لك وحدك يركع المجد أيها السيد العظيم.. لك يطأطئ الجمع رأسه خجلًا وحياءً.. منذ اليوم الأول والميلاد الأعظم، أقسمت العهد والبيعة على المضي في طريق ذات الشوكة.. وحملت اللواء.. ورفعت الراية.. قاتلت بالكلمة والحجر والخنجر والسكين والمولوتوف والمسدس والرشاش والتفجير والتصنيع ومسك الجراح والنور.

أصبت وفقدت ولدك وشقيقك وعددًا من أقربائك وقُصف بيتك.. وواصلت رغم ذلك درب الجهاد ومسيرة العلم وخدمة أبناء الشهداء والأسرى وطريق العمل المجتمعي.. لم تترك وسيلة.. ولم تدع للقاعدين عذرًا.. فطرق الجهاد والاستشهاد مفتوحة أبوابها ولكن أين الرجال أصحاب النية الصادقة والعزيمة، لم تتقطع بك السبل وعينك على الأسرى دومًا، وبقيت على العهد والبيعة، فكنت أنت عملاقًا كما أنت.

سيدي أبا محمد.. يا سيد الوفاء سنستلهم منك ما نشاء، سنعيش على ومضات جهادك، وسنقطف من شجرتك عشر وصايا لأطفالنا.. سنأخذ منك ما يجعلنا أقوى وأبقى.. وسننقش اسمك على صدور صغارنا.. سنقص عليهم روائعك مع طالع كل شمس، حتى لا يخبو حنين الوفاء والشهادة في فطرتهم، وحتى إذا ما كبروا وسألوا: أين ألوية القسام؟ ومن أين تسلل سيف الله؟ وأين شارات حطين وجالوت واليرموك؟! نجيبهم دونكم وجه الأرض ومعطفه الأصيل.. دونكم الواثقون كأسلافهم صاحب القبر الثائر رغم الرحيل. دونكم الأوفياء الذين بددوا الوهم.. منارات الضياء الذي لا يتوقف ولا ينكسر.. دونكم الصاعدون إلى الأعالي على ممرات نورانية كأنها جبال من خيوط الفجر تحرسها أسراب الطيور الخضر حتى مشارف الجنة... هناك حيث يؤذن للواقفين ببابها ادخلوها خالدين.. ذلك هو الفوز العظيم. دونكم الذين لا يعرفهم كل زاوية وحجر وسجن وموقع وسلاح... 

فسلام عليك.. سلام سيد الوفاء.. أيها القمر المنير.. سلام يا حلة الوطن البهية.. وبصمة الروح الثائرة.. سلام أيها الحي في ريعان الشهادة...سلام أيها المنغرس في قلوبنا.. سلام سيد الأحرار الأوفياء في يوم فاء الأحرار... سلام سيدي أبا محمد في الخالدين.