قنبلة نووية على قطاع غزة

 

بتاريخ 15/9/2005، قبل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة بسبعة أشهر، نشرت مقالاً تحت عنوان "قنبلة نووية على قطاع غزة" لخصتُ فيه واقع فلسطين في نقطتين:

الأولى: عجز رئيس وزراء (إسرائيل) في ذلك الوقت آرئيل شارون عن تحقيق أي نصر على الضفة الغربية وغزة، حتى ولو قصف غزة بالقنابل النووية.

الثانية: تأكيد قدرة محمود عباس "أبو مازن" -في ذلك الوقت- على تصفية الانتفاضة، حيث صار أسمى أماني قادة (إسرائيل) لقاء عباس في رام الله، والتحدث معه، وتقبيل يديه، مقابل خدمة تخليصهم من الانتفاضة الشعبية التي تحولت إلى مقاومة مسلحة.

وهناك لا بد من تسجيل ملاحظة مهمة: سنة 2005 كان قادة (إسرائيل) يلهثون للقاء محمود عباس، وكان يتدلل عليهم، اليوم يلهث محمود عباس للقاء الإسرائيليين، ولكنهم يتأففون!

وإليكم المقال كما نشر قبل 16عاماً، لملاحظة حجم المتغيرات السلبية التي ضربت واقع السياسة الفلسطينية، وللتأكيد أن حصار غزة وذبحها اقتصادياً وحياتياً كانا قائمين قبل ما يطلقون عليه (الانقسام)، وقبل حكم حماس لقطاع غزة.

لم يبقَ أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون لتصفية المقاومة الفلسطينية المسلحة سوى طريقين؛ بعد أن استخدم شارون كل ما أوتي من قوة وبأس شديد، فقد استخدم كل أنواع الرصاص، والقنابل الثقيلة المضيئة والصوتية، والمدفعية، والصواريخ، والدبابات، والطائرات، والجرافات الماحقة، ووظف الاجتياح، وهدم البيوت، وقلع الأشجار، وتهجير الناس من بيوتهم، واستعان شارون بالقتل، والقنص، والتصفية، والخنق على المعابر، والسجن، والذبح بسكين التغطرس، والإغلاق، لقد تفتق العقل الصهيوني عن ممارسات وأشكال من الموت للفلسطينيين لم تخطر في بال أدولف هتلر، والنتيجة كانت أن رجال المقاومة الفلسطينية قد جسدوا نموذجاً فذاً في القدرة على تسديد الضربات الموجعة للاحتلال الإسرائيلي.

أمام أرئيل شارون طريقان:

الطريق الأول: إلقاء قنبلة نووية على قطاع غزة، والتخلص من سكانه، وهذا الطريق سيوقظ العالم من غفوته على ممارسات الصهيونية، وسيحرض المقابل العقائدي على مستوى الأرض، وعليه فهو حل مستبعد.

الطريق الثاني: أن يلجأ إلى أبي مازن، فهو الوحيد القادر على تصفية المقاومة، وذلك وفق التجربة العربية، لأن المقاومة التي صنعت نفسها من العدم، لن تقدر عليها أي قوة عسكرية على وجه الأرض، فقط أبو مازن يستطيع تصفية المقاومة، وتقديم خدمة العمر لـ(إسرائيل)، وهذا ما يدركه قادة (إسرائيل)، فقد اعترف بنيامين بن اليعيزر، وزير الدفاع الإسرائيلي سنة 2001 أن انهيار السلطة الفلسطينية يشكل كارثة على (إسرائيل).

 إن هذا الإدراك الصهيوني لدور السلطة الفلسطينية يوسع المربع الذي يمرح فيه أبو مازن، ويجعله يعتلي عرش القدرة التي لا يمتلكها الصهاينة أنفسهم، وذلك على الرغم من ضعفه العسكري وقوتهم، فموقع "أبو مازن" يؤهله لأن يطلب من أمريكا فيطاع، ولديه القوة التي تمكنه من الضغط على شارون أضعاف قدرة شارون على  الضغط عليه، يستطيع "أبو مازن" أن يسقط شارون، ولا يستطيع شارون أن يزحزح "أبو مازن" من مكانه، ويكفي أن يعلن "أبو مازن" رفضه لقاء شارون، ويعلن أن شارون شخصية غير مرغوب فيها لدى الفلسطينيين، ليُحدث تماوجا حزبيا في بحر السياسة الإسرائيلية، يزلزل مكانة شارون، ويكفي أن ينتظر أبو مازن في رام الله، ليأتي إليه كل رئيس وزراء إسرائيلي راكعاً متوسلاً أن يخلصه من هذه الانتفاضة، التي استنفدت طاقة جيش الاحتلال الإسرائيلي القتالية على مدار خمس سنوات، واستنزفت اقتصاد المجتمع الإسرائيلي.

فقط أبو مازن يستطيع، وفقط أبو مازن القادر على تخليص (إسرائيل) من قنبلة المقاومة النووية، التي تتفجر في وجه الاحتلال، ويحاول الاحتلال تفجيرها وسط سكان قطاع غزة.

ملحوظة: نُشر المقال بتاريخ 15/9/2005، وجاءت الأحداث لتؤكد نجاح محمود عباس في سحق الانتفاضة في الضفة الغربية، لكنه فشل أمام رجال قطاع غزة.