هكذا قُطعت  "الصلوات الصامتة" قبل أن تبدأ

بكل اقتدار نجحت فصائل المقاومة في غزة بنسج خط متين بين سلاحها والقدس، وفرضت قواعد اشتباك جديدة مع المحتل الإسرائيلي، أجبرته على تغيير الكثير من تكتيكاته، وألجمته عن تنفيذ مخططات إجرامية بحق مدينة القدس المحتلة والمسجد الأقصى وحي الشيخ جراح، ليس بدءًا من مسيرة أعلامهم المهزوزة وانتهاءً بمنعهم أداء الصلاة الصامتة والتقسيم الزماني والمكاني للمسجد المبارك، وبينهما ترددهم في أخذ قرار بتهجير عائلات الشيخ جراح، وتأجيل جلسات المحاكمة مرة تلو أخرى.

كل هذه الإنجازات ما كانت لتكون لولا صمود أهلنا في القدس ودعم الأهل في الأراضي المحتلة عام 1948، الذين يشكلون صمام أمان للمدينة المقدسة بعدما تخلت عنها السلطة الفلسطينية وأصحاب الوصاية الهاشمية، وقبلهم قيادات الجامعة العربية، أصحاب بيانات الإدانات والاستنكارات الفارغة.

لكن الاحتلال وعلى عادته، يمعن في استفزاز مشاعر الفلسطينيين والمسلمين بوجه عام، وتجرّأ هذه المرة، وحاول أن يمرر قرارًا عنصريًا بامتياز يسمح للمستوطنين بأداء صلوات تلمودية داخل باحات المسجد الأقصى، وتجميلًا لذلك القرار، أضاف عليه شرطًا بأن تكون صلوات صامتة، في خطوة تعد سابقة خطِرة، لكونها تعطي شرعية علنية لصلاة اليهود في الأقصى، الذي أكدت كل شرائع السماء والأرض أنه إسلامي خالص.

خطوة الاحتلال هذه كانت تمهيدا من حكومته اليمينية المتطرفة لتأسيس معنوي لهيكله المزعوم، وتأكيدا منه أن مركز الصراع هو مدينة القدس والمسجد الأقصى الذي شهد هذا العام خلال الأعياد اليهودية تصاعدًا غير مسبوق وعدوانًا لم يشهد مثيله منذ احتلاله عام 1967، شمل "أداء طقوس تلمودية علنية، ونفخًا بالبوق، ورفع العلم الإسرائيلي في باحاته، وإدخال قرابين العرش، والسجود الملحمي"، وغيرها من الأجندة التي تسعى لفرض كامل الطقوس التوراتية في الأقصى، وتغيير الوضع القائم فيه.

وفي نظري، فإن الذي جرّأ الاحتلال على اتخاذ هذا القرار الوقح هو غياب من يصده، فأصحاب الوصاية الهاشمية منغمسون معه في اتفاق سلام، ولا يصلحون إلا للشجب والاستنكار فقط، وقيادة السلطة المتحكمة في رقاب الفلسطينيين لا يهمها مقدسات ولا ثوابت، وتكتفي -على استحياء- بمطالبات للمجتمع الدولي بالتدخل، والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي أقصى ما يمكن أن يقدماه هو أن يذكروا القدس والمسجد الأقصى في بياناتهم، والعالم الغربي منحاز بالكامل للاحتلال الإسرائيلي، وعليه فقد شكلت تلك الأوضاع بيئة خصبة لاتخاذ مثل هذه القرارات بكل وقاحة وصلف.

لكن الذي نَسيَتْه -أو تناسته- حكومة الاحتلال هو أن أي قرار يستهدف القدس وخاصة المسجد المبارك يعد لعبًا في النار، فقبل ذلك دنس المجرم شارون باحات المسجد الأقصى؛ فاندلعت انتفاضة كبرى عام 2000، وانتفض المقدسيون مرة أخرى عام 2015 في هبة القدس عندما فكّر في تنفيذ قرار التقسيم الزماني والمكاني، ثم حاول زرع بوابات إلكترونية؛ فهبّ المقدسيون وكسروا قراره في أقل من 10 أيام من الثورة عام 2017، ثم أجبروه على فتح باب الرحمة والصلاة في مصلاه عام 2019 بعد 16 عاما من الإغلاق، ثم جاءت معركة سيف القدس في 2021 انتصارًا للقدس وأهل الشيخ جراح، وأُطلقت الصواريخ من غزة لتبدد مسيرة الأعلام المزعومة، وتؤسس لحلقة جديدة من حلقات الصراع مع المحتل الإسرائيلي.

غير أنه بالأمس تراجع عن قرار محكمته القاضي بشرعنة الصلاة التلمودية؛ خوفًا من أن يفجر الوضع في الأراضي الفلسطينية أو أن يجر نفسه إلى مواجهة جديدة مع المقاومة في غزة، جاء تراجعه تحت ضغط المقدسيين الذين استشعروا خطر القرار الذي لا يقتصر على وضع مرحلي أو مؤقت، بل سيمتد ليؤسس لسياسات جديدة لدولة الاحتلال، فلو مُرِّرت اليوم الصلوات الصامتة فغدًا سيُسحَب البساط من الوصاية الأردنية ويُقسَّم الأقصى زمانيا ومكانيا.

هذا التراجع لم يأتِ من فراغ، فقد أخذ الفلسطينيون زمام المبادرة -لأنهم الأجدر والأقدر- وأوقفوه عند حده بعد أن هبوا في وجهه هبة رجل واحد، واشتبكوا معه في كل المواقع وظهورهم محمية من الجنوب لأنهم يعرفون أن هناك أناسًا واقفون عند مرابض الصواريخ تنتظر اللحظة الحاسمة، لأنهم يعلمون أن الصمت عن هذا القرار أو السماح بتمريره سيضيع حقهم في الأقصى، فقطعوا صلاتهم قبل أن تبدأ.