"السلام الاقتصادي" يطل من جديد عبر حكومة بينيت-لابيد

درج اليمين الإسرائيلي خلال عهد بنيامين نتنياهو البائد خلال الأعوام الاثني عشر السابقة (2009-2021) على التهرب من أي مسار سياسي مع السلطة الفلسطينية، رغبة بعدم دفع استحقاقات سياسية، رغم الضغوط التي مارستها إدارة أوباما في حقبتيها المتتاليتين بين عامي 2009 و2017.

حتى جاءت إدارة دونالد ترامب في ولاية يتيمة بين 2017 و2021، إذ ظهر انسجام واضح بين (تل أبيب) وواشنطن في النظر إلى مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين، وتتوج ذلك في إعلان صفقة القرن التي ظهرت فارغة من أي مضمون سياسي، واقتصر الحديث بشأنها على المسائل الاقتصادية، وتحسين الظروف المعيشية، ليس أكثر.

بقي الأمر على هذه الوتيرة إلى أن شهدت (تل أبيب) وواشنطن انقلابًا سياسيًّا بقدوم جو بايدن بدلًا من ترامب، ونفتالي بينيت خلفًا لنتنياهو، وظهر أنهما ليسا معنيين بالدخول إلى ما يمكن وصفه بـ"عش الدبابير" المسمى القضية الفلسطينية، ولكلٍّ أسبابه الخاصة.

فالحكومة الإسرائيلية الجديدة المشكلة من ائتلاف بصعوبة يقف على أقدامه، وتحمل توجهات يمينية في معظمها، عدا أصوات متناثرة من بقايا اليسار الإسرائيلي؛ ترفض استئناف المسار السياسي الفلسطيني بزعم أنها لا ترى شريكًا في السلطة الفلسطينية يمكن التفاوض معه، وخشية أن الدخول في معترك سياسي معها قد يحمل بين ثناياه انفراط عقد الائتلاف الحكومي.

أما الإدارة الديمقراطية فقد اختارت مبكرًا الانسحاب من المنطقة بأسرها، وفيها القضية الفلسطينية، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، اقتناعًا بأنها لن تجد الحل السحري له من جهة، ومن جهة أخرى لأن لديها إستراتيجية واضحة بالتفرغ لصراعات أهم وأخطر، في نظرها، لا سيما مع روسيا والصين.

بقي الأمر على حاله في النصف الأول من العام الجاري إلى أن اندلع العدوان الإسرائيلي على غزة في مايو، الذي أجبر بايدن على العودة "مضطرًّا" للانخراط في هذا الصراع، ببدء إرسال مبعوثيه إلى طرفيه، وشهدت رام الله و(تل أبيب) لقاءات أمريكية مكوكية، ركزت في معظمها على الجوانب الاقتصادية، واستئناف الدعم المالي للسلطة الفلسطينية، بعد تجميد إدارة ترامب له.

كما مارست واشنطن ضغوطها على (تل أبيب) لاستئناف إعادة أموال المقاصة للسلطة الفلسطينية، وزيادة تصاريح العمل للعمال الفلسطينيين في الداخل المحتل، والسماح بالبناء في المناطق (ج) بالضفة الغربية، كل ذلك دون الحديث بصورة أو بأخرى عن مسار سياسي بين الجانبين.

يصعب تفسير هذا السلوك الأمريكي ذو الطابع الاقتصادي المعيشي البحت تجاه الفلسطينيين بمنأى عن أي تفاهم مع (تل أبيب)، التي ترى أن القناة الوحيدة لعودة العلاقات الثنائية مع الفلسطينيين هي الاقتصادية، والاقتصادية فقط، لا شك مع استمرار "التعاون الأمني" الذي يشكل أنبوب الأكسجين الحقيقي لبقاء السلطة الفلسطينية.