المقاومة الشعبية.. نضال تراكمي وتعميم التجربة "ضرورة مُلحَّة"

...
صورة أرشيفية
نابلس-غزة/ عزام حافظ:

لم يكد يمضي يوم من أيام الأشهر الأخيرة إلا وتشهد فيه حالة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، بدءاً بالفعاليات الأسبوعية المناهضة للاستيطان في جميع المحافظات، مروراً بفعاليات حراس الجبل في بلدة بيتا جنوب نابلس، وليس انتهاءً بإرباك أمن الاحتلال على حاجز الجلمة شمال شرق محافظة جنين.

ويستهدف المقاومون حاجز الجلمة شمال شرق جنين بعبوات وقنابل محلية الصنع، إضافة لعشرات حوادث إطلاق النار في الأيام الماضية، مع حالة من الاستنفار التي سادت الضفة الغربية والداخل الفلسطيني المحتل والقدس، بعد حادثة انتزاع ستة أسرى حريتهم من سجن جلبوع في السادس من سبتمبر الجاري، والغضب بعد إعادة اعتقالهم لاحقاً في أوقات متفاوتة، وتواصل الانتهاكات بحق الأسرى داخل السجون.

حتى أن روّاد مواقع التواصل الاجتماعي لم تخلُ تغريداتهم ومنشوراتهم من التندر والاستهزاء بأمن الاحتلال. يقول أحد النشطاء: "إن الناس بطبيعتهم يقضون أوقات فراغهم في القراءة أو التنزه، إلا أهل جنين، يقضون أوقات فراغهم في إطلاق النار على حاجز الجلمة، ويعودون لممارسة حياتهم الطبيعية" على حد تعبيره، في إشارة لزيادة عدد حوادث إطلاق النار على الحاجز.

ووجه آخر من وجوه مقاومة الاحتلال شعبياً تمثل جلياً في مقاومة بلدة بيتا جنوب نابلس لإقامة بؤرة استيطانية على جبل صبيح، منذ ما يقارب 140 يوماً بشكل متواصل، في فعالياتٍ أجبرت الاحتلال على إخلاء البؤرة الاستيطانية مطلع يوليو/ تموز الماضي، مستذكرةً ما عاشته البلدة عام 1988 حينما تصدت لمجموعات المستوطنين في جبل العُرمة شرقا واستشهد 3 شبان وجُرح العشرات واعتُقل وأُبعد المئات من أبنائها.

والذي يميّز انتفاضة بيتا في وجه الاحتلال الذي أقام 40 وحدة سكنية على قمة الجبل لمستوطنيه، أن كل الفئات تشارك في الفعاليات تحت مظلة العلم الفلسطيني، نساءً وأطفالاً وشباباً على حد وصف الكاتب والباحث السياسي مجدي حمايل أحد أبناء البلدة، الذي أشار إلى أن بيتا استلهمت بعض أفكار المقاومة من قطاع غزة، وأبرزها: الإرباك الليلي، والمقاومة بالإطارات "الكوشوك" التي حوّلت البؤرة الاستيطانية من "أفيتار إلى شحبار"، على حد تعبيره، مستخدمة قرابة مائة ألف إطار خلال الأشهر الماضية، ما أجبر المستوطنين على ارتداء الكمامات على مدار الساعة.

ويضيف حمايل لـ "فلسطين" أن بيتا قدمت على مدار الأيام الماضية 7 شهداء وأكثر من أربعة آلاف إصابة، منهم 200 شاب باتوا يستخدمون العكاكيز، ومائة آخرون أصبحوا بإعاقات دائمة نتيجة استخدام الاحتلال الأسلحة المحرمة دولياً، ومنها رصاص (التوتو المتفجر) في قمع الاحتجاجات الشعبية.

وعبّر حمايل عن أسفه لفقر الدعم الرسمي من السلطة الفلسطينية لفعاليات المقاومة الشعبية في بيتا، لا سيما أن قيادة السلطة تتبنى المقاومة الشعبية عبر الإعلام طريقاً لمقاومة الاحتلال، فظلت بيتا وحيدة تقاوم الاحتلال حتى أجبر الاحتلال على إخلاء المستوطنين منها.

وشدد على أن النضال بالمقاومة الشعبية تراكمي، ومتواصل في بيتا حتى يعود الجبل لأهله ويتمتعوا بحرية استخدامه بعيداً عن تضييقات الاحتلال.

وللمقاومة الشعبية أثرٌ إيجابي تركته في نفوس المشاركين، لا سيما أن جهودهم وفعالياتهم أثمرت بعد شهرين ونصف الشهر، بحسب الناشط محمد دويكات، وهو ما أعطى دفعة للأمام وشحذ الهمم لمواصلة هذا الطريق حتى تحرير الجبل، وابتداع أشكال جديدة ومتعددة لهذه الفعاليات، يضاف لذلك مشاركة المصابين بما استطاعوا، فالوحدات العاملة على الجبل تتيح العمل للجميع على حسب قدرته.

ويشير دويكات إلى أن مشاركة عديد الفئات في هذه الفعاليات تستنزف طاقة قوات الاحتلال بفتح أكبر كم ممكن من نقاط الاشتباك مع الاحتلال على طول ما يقارب سبعة كيلومترات من المنطقة المحاذية لجبل صبيح، ما يدفع جيش الاحتلال لنشر أكبر عدد من قواته في المنطقة.

وقد آتت هذه الجهود أُكلها بعد رفع جيش الاحتلال عدة تقارير أمنية لقيادته بضرورة إخلاء المنطقة؛ لأن القوات لم تعد قادرة على السيطرة على الأحداث في بيتا.

ويُستدل على نجاح الفكرة بما قدمه مركز مسارات لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية، من ورقة تقدير موقف عد فيها تعميم نموذج بيتا في الرد الشعبي على مخططات الاحتلال، على بقية المناطق المهددة في الضفة "ضرورة ملحّة"، واختبارا وطنيا، موضحاً أن "استدعاء بعض أساليب النضال الشعبي من غزة يعني قابلية أن تكون بيتا وسيطًا ناقلا إلى بقيّة أماكن الاحتكاك والمواجهة في الضفة، وخلق حالة من الاشتباك اليومي مع المشروع الاستيطاني، وابتداع أشكال جديدة من المقاومة الشعبية، واستقطاب الدعم والتعاطف الدوليين مع الحقّ الفلسطيني".