المقومات الحروفية في تجربة الفلسطيني وسام عابد

...

يعتمد الفنان التشكيلي وسام عابد على بعض المقومات الحروفية التي تستحوذ على الفضاء بكل ما يكتنفه من الألوان والأشكال المدججة بالمعالم الإيحائية، فتصبح المساحة في أعماله لغة حروفية ولونية، تنطق بالعديد من المفاهيم المختزلة في الطلاء اللوني، في تناغم وتوليف وانسجام، وهي توحي بالحياة والحركة، سواء من المنظور الإبداعي، أو من خلال التركيبة الجمالية، حيث يستهدف مجموعة من القيم، بروح شفافة ترصد كل مقومات الفضاء المترامي الأطراف، وبذلك تتبدى لوحات المبدع انعكاسا روحيا يختزل جملة من المعالم، ويصور مجموعة من القيم بتقنيات عالية، ويمثل أصنافا من المقومات الحروفية بدقة وترسيم لعدد من الجماليات، على نحو من الحركة، ونوع من الموازنة الفنية، بين المادة الحروفية الجادة، والأصناف التعبيرية، بشكل يمتح بعضا من مقوماته من المجال الفني، الذي انبثقت منه، تجسدها بعض الألوان الجميلة.

وعلى الرغم من عامل الطاقة الحركية التي يصنعها اللون، ويولدها الشكل بجمالياته، ودلالاته الرمزية المتعددة والمتنوعة، فإن ما ورائيات ذلك، تتبدى في أشكال متنوعة من التعابير التي تظهر جلية في الصياغة اللونية المنزوية في خانات شكلية، تبرز تدريجيا مع اللون. ولعل هذا يُبرز جانبا كبيرا من التفاعل الجدلي بين المكونات التحولية للحروفيات، ومبتغيات الفن ولوازمه، بتوظيف إبداعي نوعي، يعتمد تدفق اللون المعاصر، وينتهي إلى أبعاد فنية، وفق تسخير فضائي يلامس المادة الحروفية، في محاورة طليقة كأساس في عملية البناء. وهو ما يجعل هذه التجربة الفنية، تنبني على أسلوب فريد، يتسم بميله إلى البساطة أحيانا.

وعلى الرغم من الوجود العلائقي المكثف بين مختلف الحروفيات والعلامات والألوان، وعلى الرغم أيضا من وجود انسجام بين مختلف العناصر المكونة للوحة؛ فإن مجال الحجب يتسع ليشمل غالبا معظم الفضاء. ولعل مجال الكشف، يتخذ من الطريقة في التوظيف، ورصد محيط الألوان، وتفكيك الحروفيات، أدوات تستجلي بعضا من المكنونات، فتتبدى اللوحات ناطقة بأحاسيس إنسانية عميقة، وبتعبيرات قيمية محسوسة، تتحرك بكل الصبائغ الفنية، التي تتخذ من الألوان والحروفيات أداة نسيجية، وأفقا تعبيريا وتصوريا، يفصح عن العديد من المعاني، ويقرب القارئ من عمق المادة الفنية.

واستنادا إلى القاعدة النقدية؛ فإن أسلوب المبدع ينبني على أسس حروفية وعلى قاعدة لونية يبسط من خلالها طرائق شكلية متعددة، لصنع مجموعة من العلاقات الجدلية، والأساليب التحاورية، والأدوات التحولية، وبعض الأنماط التعبيرية، والتداخلات الحروفية والعلاماتية، يسعى من خلالها إلى صنع مجال فني يقوم على أبعاد رؤيوية شخصية، لكنه يتقيد بذلك ويستجيب له بشكل مطلق، ما يُنتج غموضا في أحايين كثيرة، ويطرح السؤال حول ماهية اكتمال البعد الجمالي في صيغته النهائية، رغم كون إشكالية السر تدعم المجال التعبيري الحديث، وإشكالية الغموض تدعم المسار الإبداعي المعاصر، إلا أنهما يطرحان حواجز أمام القارئ العادي، خاصة حين تضحى النقطة رمزا، والتركيب لغزا، واللون علامة، وهي مكونات تتبدى بشكل قوي داخل الفضاء وتتفاعل مع المعطيات التشكيلية الحديثة، وتنبثق أساسا من المجال التعبيري، ما يحيل إلى ما يختص به المبدع من نسيج ثقافي، ورصيد معرفي، ما يجعله يوظف مختلف المفردات الفنية بوعي داخل الفضاء. يؤكد ذلك أسلوبه الحروفي المتنوع المضامين، حيث يعكس بشكل جلي ثقافته التشكيلية الخصبة، والموسوعية في التفكير والتنظير، وهو ما يعد دافعا ثانيا وحافزا مشجعا نحو الارتقاء والابتكار في أثناء العملية الإبداعية.

المصدر / محمد البندوري - كاتب مغربي