دراسة أكثر من تخصص بين شغف المعرفة وفرص الالتحاق بالسوق

...
صورة أرشيفية
غزة/ هدى الدلو:

يحرص العديد من الطلبة ممن سبق لهم الحصول على شهادة جامعية، على الحصول على تخصصات أخرى لأسباب مختلفة، فمنهم من يرى في ذلك سبيلًا لزيادة فرص العمل في ظل ارتفاع نسب البطالة في قطاع غزة، وآخرين ينطلقون بدافع زيادة المعرفة.

الشابة مكرم عوض (37 عامًا) من الخريجين الذي يحملون درجة البكالوريوس في تخصصين، فبعد تخرجها من تخصص التربية الإسلامية الذي التحقت به عن رغبة، دفعتها ظروف اجتماعية إلى الالتحاق بتخصص التمريض بعد سنوات على مغادرتها مقاعد الدراسة.

تقول لصحيفة "فلسطين": "بعد تخرجي من الجامعة بعشر سنوات، حيث حصلت على شهادة البكالوريوس في تخصص التربية الإسلامية ودبلوم تربية أيضًا، قررت العودة إلى مقاعد الدراسة بعد وفاة ابني الصغير فجأة، ولازمني حينها فضول لدراسة التمريض بسبب الظروف التي مررت بها، رغم أوضاعي المعيشية الصعبة".

وتضيف عوض: "رغم عدم حصولي على وظيفة في أي من التخصصين فإني أرى فائدة بدراستي التمريض لكونه عملًا مهنيًا ومطلوب إتقانه في كل بيت من إسعاف وعمل الإجراءات الأولية اللازمة لكل مريض خاصة مع الحالات المستعجلة".

في حين أن سلام سمارة (33 عامًا) فهي الأخرى تحمل شهادتين في تخصصين مختلفين، فلم تقتصر دراستها على العلوم السياسية الذي التحقت به لتلبية رغبة عائلتها التي رفضت دراستها التصميم والجرافيك بسبب حصولها على معدل لا بأس به في الثانوية العامة.

وتؤكد أن رغبتها الجامحة بدراسة التصميم ودرايتها بحاجة سوق العمل له جعلتها تبذل قصارى جهدها لدراسته بعد تخرجها من الأول وعدم حصولها على وظيفة عمل.

تقول سمارة: "عندما اتخذت قرار العودة لدراسة التصميم، أخذت بعين الاعتبار حاجة سوق العمل، وحاليًا أعمل في شركة خاصة، ويمكن لي العمل بشكل شخصي".

وتشير إلى أن الكثير من الطلبة يلتحقون بتخصصات تنافي رغباتهم ولا يمنحون الوقت الكافي للتفكير برغباتهم وكذلك احتياجات سوق العمل، "ولو اختار الطلبة تخصصات بناء على حاجة السوق لما احتاجوا إلى دراسة تخصصات ثانية"، كما تقول.

وتنصح سمارة أي طالب بالتأني عند الالتحاق بالجامعة، وأن يربط اختياراته بمتطلبات السوق.

أما وليد حمدي (40 عامًا) الذي وجد نفسه بعد انتهائه من مرحلة الثانوية العامة يلجأ لدراسة الرياضيات -حبه في هذا العلم- معارضًا رغبة أهله بدراسة إدارة الأعمال، إذ به يعود إلى هذا التخصص أملًا بالحصول على وظيفة لدى قريب يمتلك مجموعة من الشركات في الخارج.

ولكن حمدي اليوم وقد بدأ أبناؤه يقفون على عتبة أبواب الجامعات فينصحهم بدراسة تخصصات يحتاج إليها سوق العمل لكيلا ينضموا إلى طابور البطالة الذي يقف به والدهم حتى هذا اليوم.

وأظهرت أبحاث سابقة أن الطلاب الذين اختاروا التخصص في مجالين يمكنهم أن يكسبوا مالًا أكثر من أقرانهم الذين تخصصوا في مجال واحد فقط.

وفي دراسة لباحثين في مجال التعليم ومهتمين بكيفية تطوير التجربة الجامعية للطلاب، بينت أن أصحاب التخصص الجامعي المزدوج يحققون أداء أفضل، وهم أكثر إبداعًا.

إيجابيات وسلبيات

ومن جهته، يوضح مدرب التنمية البشرية محمد الديب أن هناك أسبابًا كثيرة لدراسة أكثر من تخصص، منها: إدراك الشاب بأن التخصص الذي درسه في السابق لا يلبي شغفه وطموحاته، وبعض التخصصات ليس لها فرص وظيفية فيصبح مجبرًا على الالتحاق بتخصص ثانٍ.

ويشير كذلك إلى أن غياب الوعي لدى الطلبة بالطرق الصحيحة لاختيار التخصص المناسب قد يكون دافعًا للعودة إلى الجامعة، كما أن متطلبات العمل قد تجبر الشاب على دراسة تخصص ثانٍ يتناسب مع وظيفته أو عمله، واعتقاد البعض أن الحصول على أكثر من تخصص وشهادة يفتح له باب زيادة الفرص بالتوظيف.

ويلفت الديب إلى أن دراسة أكثر من تخصص له إيجابيات كثيرة تنعكس على شخصية الشاب من حيث فتح مدارك عقلية كثيرة، وزيادة المعرفة، واكتسابه المهارات والمعلومات الجديدة التي تساعده على ملاحقة المتغيرات المتسارعة في العالم.

أما بخصوص السلبيات، فيبين أن بعض الشباب عند دراسة أكثر من تخصص يكون هدفه هو جمع شهادات فقط، وليس محتوى علميًا ومعرفيًا، وهنا تقع الكارثة، بالإضافة لزيادة مصاريف الدراسة وغيرها من الأمور.

ويستكمل الديب حديثه: "الأصل بأن يكون قرار دراسة تخصص جديد مبني على رؤية مستقبلية وليس عشوائيًّا، وأن يتناسب مع متطلبات المهنة إذا كان ملتحقًا بسوق العمل، أو مع متطلبات الحياة وسوق العمل والتسارع العلمي الرهيب، إلى جانب الاحتياجات المستقبلية للشاب".

وينبه إلى أنه في بعض الأحيان يكون دراسة أكثر من تخصص مخرجًا لزيادة فرصة الحصول على وظيفة، "ولكن الأصل بالشاب أن يركز على شغفه ويلتحق مبكرًا بالتخصص الذي يجد نفسه مميزًا فيه، فنحن لا نحتاج إلى معلم ولا دكتور ولا مهندس بالعموم بل إلى متميز كل في المجال الذي يبدع فيه".

ويتابع الديب: "لا بد من التركيز على اختيار التخصص المناسب لشخصيتي ومتوافق مع شغفي ثم التميز والإبداع بهذا التخصص، حتى إذا تخرج الشاب من الجامعة سهُل عليه حصوله على فرصة عمل".

ويشير إلى أن الأثر النفسي يختلف من شخص لآخر، ولكن بالتأكيد بعض الأشخاص سوف يترك أثرًا سلبيًّا عليه لكونه حاصلًا على تخصصين ولم يحظَ بفرصة عمل، وقد يصل به الحال حد الإحباط النفسي، أما أصحاب الهمة العالية فسوف يكون التخصصان دافعًا لهم وبصيص أمل حتى وإن لم يحصلوا على وظيفة، وفي نهاية المطاف صاحب النفس الأطول هو من يجني الثمار.

ووفق تقرير الجـهـاز الـمـركـزي للإحصاء الـفلسطيني، لا يزال معدل البطالة بين الأفراد (20-29 سنة) الحاصلين والحاصلات على شهادة دبلوم متوسط أو بكالوريوس، مرتفعًا، حيث بلغ 54% في عام 2020، بواقع 35% في الضفة الغربية، و78% في قطاع غزة، في حين كان هذا المعدل نحو 53% في عام 2019 على المستوى الوطني.

وسجّل أعلى معدل للبطالة بين الحاصلين على شهادة دبلوم متوسط أو بكالوريوس في عام 2020 في قطاع غزة في تخصص الرياضيات والإحصاء بنسبة 100%، يليه تخصص العلوم الاجتماعية والسلوكية بنسبة 95%.

في حين سجّل أعلى معدل للبطالة بين الحاصلين على شهادة دبلوم متوسط أو بكالوريوس في عام 2020 في الضفة الغربية في تخصص الرياضيات والإحصاء بنسبة 74%، يليه تخصص التعليم بنسبة 54%.

وبلغت نسبة البطالة في تخصص الفنون 38.1%، ويليه مباشرة الصحافة والإعلام 36.9%، ومن ثم حملة الشهادة في تخصص اللغات 35.8%.