الزراعة الغابية الإفريقية تأمين للغذاء وحماية للغابات

...
صورة تعبيرية
​نجامينا - الأناضول

رغم انقضاء نحو 6 عقود على استقلال بلدانها، إلا أنّ قارة إفريقيا لا تزال تكابد حتى اليوم من أجل تأمين الاحتياجات الغذائية لسكانها البالغ عددهم قرابة مليار و216 مليون نسمة، مع أنّ هذه القارّة تضمّ ربع الأراضي الخصبة في العالم.

مفارقة لافتة يجزم عدد من الخبراء الأفارقة أنّ تعديلها يمرّ وجوبا عبر التوجّه نحو زراعة الغابات؛ لما لهذا النمط الزراعي من دور إيجابي في زيادة الإنتاج والحفاظ على البيئة.

ولتلبية الاحتياجات الغذائية لسكّانها، وسعيا نحو التنويع الاقتصادي، توجّهت العديد من البلدان الإفريقية، مثل تشاد والسنغال وبوركينا فاسو والكاميرون، نحو الزراعة الغابية.

وقال المختصّ الزراعي في تشاد، مارك بيساندجي إنه "من الواضح أنّ البلدان الإفريقية التي اختارت زراعة الغابات تمكّنت، وبشكل ملحوظ، من الحدّ من مخاطر الأزمة الغذائية في بعض مناطقها".

والزراعة الغابية هي نمط جديد يمكّن المزارعين من استثمار الأراضي الصالحة للزراعة في الغابات بشكل طبيعي دون استخدام الأسمدة الكيميائية، بما يحافظ على البيئة، وتعتبر من الحلول الناجعة لمواجهة الأزمات الغذائية المتزايدة في القارة السمراء، وهو أسلوب ناجع سبق وأن أكدته دراسة إفريقية- أمريكية.

الدراسة المنشورة عام 2014، بعنوان "إدارة الغابات: التحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية"، أفادت بأن حماية الغابات من قبل حكومات بلدانها عبر حظر أي نشاط زراعي لا يعود بالفائدة على السكان المحليين.

المختصّ البيئي التشادي، هنغام صوريا، يرى أيضا أن "الزراعة الغابية تشكّل البديل المطروح أمام إفريقيا، لمقاومة آفة إزالة الغابات والتصدي للأزمات الغذائية التي تحدق بها في ظل التغيرات المناخية".

وأضاف صوريا إنه "لطالما اعتبرنا أن الزراعات الكثيفة هي العدو الأول للغابات في إفريقيا، وأحد أسباب التغير المناخي في القارة السمراء، ولذلك فإن ظهور الزراعة الغابية جاء ليدحض هذه الثوابت، وليثبت بأنها الحل الناجع، سواء لمقاومة إزالة الغابات أو لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء".

وقال الوزير التشادي للإنتاج والري والمعدات الزراعية، سعيد غامار سيليك، في تصريحات صحفية مؤخرا، إنّ بلده قادر بسهولة، ورغم التوقعات شبه المطمئنة بخصوص الموسم الزراعي للعام الحالي، على تجاوز فترة الجفاف المتوقّعة مطلع عام 2017، وذلك بفضل الزراعة الطبيعية في المناطق الاستوائية والغابية في البلد.

وأوضح الوزير التشادي أنّ "استثمار الزراعة الغابية جنوبي تشاد، وخصوصا في إقليم لوغون، ينبغي أن يمكّننا من تجديد المخزون الحالي من الحبوب بـ 120 طن إضافية، ما سيمنحنا ألفي طن من احتياطي الحبوب لعام 2017".

وأمام الضرر الذي لحق باقتصادها جراء تراجع أسعار النفط، اتجهت تشاد إلى الزراعة كبديل لتدعيم مواردها وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، وهو توجّه اعتمد بالأساس على مقاربة تنمية زراعة الغابات.

ففي يونيو/حزيران الماضي، أي خلال انطلاق الموسم الزراعي 2016-2017، تعهّد الرئيس التشادي، إدريس ديبي، بإعداد نحو 250 ألف هكتار (الهكتار يساوي 10 آلاف متر مربع) في المناطق الاستوائية والغابية من أجل زراعة طبيعية 100%.

كما وعد بتدعيم إمكانيات المنتجين بالريف، عبر منح قروض متناهية الصغر، وتوفير بنى تحتية جديدة وناجعة لتخزين أفضل للمنتجات الزراعية، بحسب موقع "Financial Afrik" (فينانشيال أفريك) الإلكتروني.

وأوضح هذا الموقع أن تشاد يمتلك مساحات تقدّر بـ 39 مليون هكتار من الأراضي الاستوائية والغابية الصالحة للزراعة والغنية بالمياه.

وتماما مثل تشاد، اعتمدت دول إفريقية أخرى، مثل الكاميرون وبوركينا فاسو والسنغال، على الزراعة الغابية لمجابهة المشاكل المرتبطة بالنقص الغذائي الموسمي.

وتعتبر السنغال أبرز مثال في هذا المجال، حيث أنشأت "الجمعية تنمية الزراعة الغذائية وبستنة الغابات"، والتي تحظى باعتراف السلطات السنغالية.

وترمي الجمعية إلى تنمية الزراعة الغابية عبر إدراج الأشجار المثمرة في البساتين الصالحة للزراعة، والتي تأثّرت بتدهور النظام البيئي الطبيعي المحلّي.

وبحسب الخبير الزراعي منصور ندايي، يتمثّل نظام الزراعة الغابية، الذي تدعو إليه الجمعية، في برنامج للبحث والتنمية المشتركة يرتكز على مشاركة المنتفعين من أمثال المزارعين.

وأوضح "ندايي"، في تصريح لموقع "lareforestation" (لا ريفورستاسيون) السنغالي: "لئن تأخّر تعميم زراعة الغابات من قبل الدول الإفريقية، فذلك بسبب خوف السلطات من إزالة الغابات مقابل الأنشطة الزراعية، لكنهم يجهلون بأن هنالك حراس"، في إشارة إلى الجمعيات والنشطاء في المجال البيئي.

وبالنسبة للخبير السنغالي فإن هذا "النظام يتمثّل في زراعة صفّين من الأشجار المثمرة والمتباعدة عن بعضها البعض 10 أمتار، وإقامة حدائق لزراعة البقول في هذه الرقعة، بما أنّ هذه الزراعات تنمو دون أسمدة كيميائية".

وأضاف أن "ميزة هذا النشاط تتمثّل في النموّ السريع لهذه الأشجار، وإتاحة عائدات إضافية للمزارعين من خلال بيع الخشب إثر جمع المحاصيل".

وفي قرية بونو، بدائرة باغاسي وسط غربي بوركينا فاسو، تمكنت مجموعة من الفلاحين، تحت إشراف منظمة "الأرض الخضراء" (غير حكومية)، من زراعة الفول السوداني وحبوب الذرة البيضاء عبر إقامة مشروع للزراعة الغابية.

ومنذ عام 2014، أنتجت هذه المجموعة 3 مرات أكثر من السنوات التي سبقت هذه المبادرة.

أمّا في قرية بينا، شمالي الكاميرون، فقد أعد قرويون قطعا من الأراضي للزراعة الغابية، تمكّنوا من خلالها من زراعة الكسافا (المانيوك) والسمسم.

وينتج هؤلاء القرويون نحو ضعفي ما تدرّه القرى المجاورة التي تحظى بالخصائص المناخية ذاتها، وفق الموقع الإخباري الكاميروني ""camerpost (كامر بوست).

وإضافة إلى الكسافا والسمسم، ينتج القرويون الأفوكادو، الذي يباع في الأسواق بأسعار مرتفعة.