الساعة: الواحدة ظهرًا أمس، المكان: محكمة الصلح في رام الله بالضفة الغربية المحتلة، أما الحدث: فهو الإفراج عن المعتقل السياسي هيثم سياج، بضمان مكان إقامته، مع إبقاء القضية قائمة.
بعد ساعات كان سياج (24 عامًا) خارج أسوار سجون أجهزة أمن السلطة لينتقل بعدها بخُطًا ثقيلة إلى مستشفى رام الله الحكومي لتلقي العلاج، في إثر تعرضه لتعذيب شديد في سجونها.
حاول "سياج"، وفق والدته هنادي (48 عامًا)، إخفاء آثار التعذيب الذي تعرض له في مركز الشرطة بمنطقة "البالوع" بمدينة البيرة، كي لا يشعرها بالحزن، لكن خطواته وحركته فضحته، إذ ظهر عليه الإعياء الشديد.
واعتقلت أجهزة أمن السلطة الأسير المحرر "سياج" الاثنين الماضي بعد الاعتداء عليه بالضرب الوحشي خلال مشاركته في وقفة أمام مركز شرطة "البالوع"، للمطالبة بالإفراج عن معتقلين سياسيين، ومحاولة نجدة بعض الفتيات اللواتي تعرضن للسحل من شعورهن وملابسهن.
سرعان ما وجد "سياج" نفسه تحت هراوات خمسة من عناصر أمن السلطة تنهال على رأسه ومختلف أنحاء جسده دون رحمة، ولم تتركه إلا وقد فقد وعيه، لتسحله بعدها إلى داخل المركز، ثم تنقله فورًا إلى مستشفى رام الله الحكومي، وفق والدته.
رغم محاولات والدة "سياج" الاطمئنان على نجلها البكر، فإنها صُدت برفض وتعنت أجهزة الأمن، لتبقى بالقرب من غرفته دون السماح لها برؤيته، لافتة إلى أنه في صباح يوم الثلاثاء وخلال مكوثه في المستشفى، طلبت أجهزة أمن السلطة منه التوقيع على الخروج من المستشفى على مسؤوليته فرفض، فحاولوا الطلب من الطبيب المعالج التوقيع على تقرير بانتهاء مدة علاجه فرفض الآخر، وبعدها أخذوه عنوة من المستشفى بما يشبه الخطف، ليُنقل إلى مقر المباحث الجنائية للتحقيق معه هناك.
ولفتت والدته إلى أن أجهزة أمن السلطة أنكرت في البداية وجود نجلها في المستشفى، باعتباره غير مسجل، لولا مشاهدة شهود عيان له هناك أخبروها بوجوده، موضحة أن أكثر من 20 عنصرًا أمنيًّا حرسوا غرفته بشكل مشدد، ومنعوا أي شخص من الاقتراب من غرفته.
فرحة ممزوجة بالحزن
وتقول الأم التي ظهرت عليها الفرحة الممزوجة بالحزن بعد مشاهدتها نجلها المفرج عنه للتو وهو يمشي بخُطًا ثقيلة في قاعة محكمة الصلح برام الله: "سألته بم تشعر، هل تشتكي من شيء يا ولدي؟ فأجابني بابتسامة خفيفة: لا تقلقي يا أمي فجميع الآلام ستزول، ليتابع سيره متجهًا إلى المستشفى".
حاولت الأم إمعان النظر بابنها، وبجسده الهزيل، ليتبين أنه مصاب بجروح في رأسه، وظهره، ويعاني آلامًا في رجله اليمنى، وصدره، وتظهر الكدمات وعلامات الضرب على مختلف أنحاء جسده.
وتلفت إلى أن نجلها سيخضع لتصوير طبي إشعاعي لمعرفة مدى خطر الرضوض المنتشرة في جسده، كما سيجرى له فحص للألم الشديد في نصف جسده الأيمن والتأكد من طبيعته، لتقديم الرعاية الصحية المناسبة له.
وكان "سياج" أعلن إضرابه المفتوح عن الطعام الثلاثاء الماضي وعلقه بعد الإفراج عنه، وفق والدته التي حملت أجهزة أمن السلطة المسؤولية الكاملة عن حياته وما سيتعرض له بسبب تعرضه للضرب والقمع في السجن.
مخالفة قانونية
ويؤكد محامي مؤسسة الضمير لرعاية الأسرى وحقوق الإنسان شاكر اطميزة، تعرض سياج للتعذيب خلال اعتقاله، موضحًا أن محكمة صلح رام الله أفرجت عنه أمس، بضمان مكان إقامته.
وأضاف اطميزة لصحيفة "فلسطين" أنه اطلع على ما تعرض له "سياج"، وشاهد آثار الضرب والكدمات والخدوش التي لحقت به في أثناء احتجازه لدى المباحث العامة، مردفًا أن الاعتداء على المتظاهرين واحتجازهم وتعرضهم للضرب، مقلق وله تبعات خطرة، ويدلل على أن عناصر الضابطة القضائية والأمن لم يلتزموا احترام النزلاء.
ويصف حجز واعتقال المتظاهرين السلميين بأنه تعسفي مخالف للقانون، وأنه لا يوجد مسوغ قانوني لاعتقالهم بسبب مطالبتهم الجهات المختصة بالكشف عن حيثيات جريمة اغتيال أجهزة أمن السلطة الناشط والمعارض السياسي نزار بنات.
وأعرب عن خشيته أن يصبح المواطنون لقمة سائغة في يد السلطة التنفيذية بسبب آرائهم، ما يدل على تدني مستويات الحريات العامة ومخالفة القانون الأساسي والمبادئ والمواثيق الدولية التي وقعت عليها السلطة الفلسطينية.
ونبه إلى أن أجهزة أمن السلطة اعتقلت عشرات النشطاء والمتظاهرين الرافضين لاغتيال "بنات"، فمنهم من اعتقل لساعات وأفرج عنه، ومنهم من حُوِّل إلى المحكمة، داعيًا الأجهزة الأمنية لتطبيق القانون والمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي انضمت لها في السنوات الماضية، والتي تكفل حرية الرأي والتعبير ومعاملة المعتقلين معاملة حسنة.

