فلسطين أون لاين

تقرير عماد عوض… إصابة ونزوح وديون تُثقل جسدًا أنهكته الحرب

...
عماد عوض… إصابة ونزوح وديون تُثقل جسدًا أنهكته الحرب
غزة/ هدى الدلو:

لم تكن إصابة عماد عوض مجرد جرحٍ في الجسد، بل بداية فصلٍ جديد من الألم المركّب؛ نزوحٌ متكرر، وعلاجٌ متعثر، وديون تتراكم فوق أسرة أنهكها الفقد والانتظار. بين خيمةٍ لا تقي برد الشتاء وإصابةٍ لا تكاد تلتئم، تتكشف حكاية رجل تحوّل جسده إلى ساحة صراع بين الألم والنجاة.

كان عماد يعيش مع أسرته في منطقة الصفطاوي حياةً بسيطة لكنها مستقرة، إلى أن بدأت فصول النزوح القاسية. خرج من منزله على عجل، كما خرج آلاف غيره، دون أن يحمل شيئًا، ولم يكن يتخيل أن ذلك الخروج سيحرمه من بيته، ومن قدرته على الحركة، وربما من أحلامه أيضًا.

في المرة الأولى، عادت زوجته نور عليان إلى المنزل بعد أن تحسست الأوضاع، لتجلب بعض الاحتياجات الأساسية لطفليها. كانت تدرك أن الحياة في النزوح لا ترحم، وأن البقاء دون أبسط المقومات يعني مزيدًا من المعاناة، لكنها لم تكن تعلم أن المرة الثانية من النزوح ستحمل معها ما هو أثقل من الفقد.

ففي 25 أغسطس/آب 2025، خرج عماد محاولًا تدبير بعض الأمور لعائلته، لكنه لم يصل بعيدًا. تقول زوجته لصحيفة "فلسطين": "عند منتصف الطريق، بالقرب من سوبر ماركت الباشا، سقط صاروخ إسرائيلي من طائرة استطلاع على المكان المجاور له"، فلم يكن الانفجار بعيدًا بما يكفي لينجو، إذ أُصيب في قدمه اليسرى إصابة غيّرت مجرى حياته بالكامل.

تستعيد نور تلك اللحظات بمرارة قائلة لصحيفة "فلسطين": "تلقيت اتصالًا لإخباري بما حدث لزوجي، وكنت حينها في زيارة لشقيقي المصاب في مستشفى الشفاء. هاتفني شقيق زوجي وطلب مني إحضار الغيارات، لم أستوعب في البداية، لكنني أدركت أن مصيبة جديدة قد وقعت".

نُقل عماد من مستشفى الشفاء إلى الهلال الأحمر، بعد أن تبيّن أن سقوط عمودٍ إسمنتي عليه زاد من تعقيد إصابته. وتتابع نور: "بعد فحصه من الطبيب، حُوّل مباشرة إلى العمليات، فقد كان ينزف بشدة. لم يكن هناك وقت للتفكير، فقط الخوف".

خمسة وأربعون يومًا متواصلة، لم يعرف فيها عماد سوى الألم: عمليات يومية، تنظيف للجروح، وتثبيت صفائح بلاتينية داخلية. وبين كل عملية وأخرى، كان النزيف حاضرًا، كما كان الخوف من المجهول.

وتضيف نور: "كانت أيامًا لا تُحتمل، كنا ننتظر كل يوم خبرًا مطمئنًا، لكن الألم كان يسبق أي خبر".

خرج عماد من المستشفى، لكنه لم يخرج من دائرة المعاناة. لم يستطع التأقلم مع العكازين، فكانت نور تضطر لاستعارة كرسي متحرك من إحدى الجارات داخل الخيمة. "حتى أبسط تفاصيل الحياة اليومية، كالدخول إلى الحمام، أصبحت عبئًا ثقيلًا".

تحولت نور من زوجة إلى ممرضة، ومن شريكة حياة إلى سندٍ يومي لا يكلّ. وتحت وطأة التعب والإجهاد، فقدت حملها في شهره الرابع. تقول بصوتٍ يختنق: "كنت أنتظر هذا الطفل بفارغ الصبر… أنجبت طفلي الأول بعد خمس سنوات من الزواج، واليوم عمره 8 سنوات، وشقيقته 7 سنوات. كنا نحلم بطفل جديد، لكن التعب كان أقوى مني".

وقبل عشرة أيام فقط من اتفاق وقف إطلاق النار، اضطرت الأسرة إلى النزوح مجددًا. لم يكن القرار خيارًا، بل ضرورة فرضها غياب الشاش الطبي والأدوية اللازمة لعلاج عماد. خرجوا مرة أخرى، لكن هذه المرة بلا وجهة واضحة.

"نمنا في الشارع"، تقول نور، "حتى وجدنا من يساعدنا في نصب خيمة… لا يمكن وصف تلك الليالي".

مرّت الشهور، لكن الجرح لم يلتئم. ما زال مفتوحًا، ينزف ويخرج منه القيح، فيما يمنع الورم عماد من المشي لأكثر من أمتار قليلة قبل أن يعود الألم والنزيف من جديد. يحتاج إلى عمليات إضافية وعلاج مستمر وفرصة حقيقية للشفاء.

لكن الواقع أقسى من الاحتياج. تقول نور: "الأطباء يكتبون له أدوية، لكنني لا أستطيع شراءها. الديون تراكمت علينا، ولم نعد نملك شيئًا". حتى فرصة العلاج في الخارج، التي قد تكون الأمل الأخير، لم تتمكن العائلة من متابعتها بسبب التعقيدات وتكاليف السفر.

قضت الأسرة فصل الشتاء في خيمة مهترئة لا تقي بردًا ولا مطرًا، تتسلل إليها الأمطار كما يتسلل القلق إلى قلوبهم، بينما يتمسكون بما تبقى من صبر.

قصة عماد ليست مجرد إصابة، بل حكاية اجتمع فيها وجع النزوح، وثقل المرض، وانكسار الأحلام.

المصدر / فلسطين أون لاين