الضفة الغربية بين احتلالين

قمع الحريات وحملات التهديد والوعيد التي تعيشها الضفة المحتلة وتصاعد حالات الاعتقال السياسي منذ حادثة اغتيال الناشط السياسي والمرشح البرلماني نزار بنات تحت التعذيب على يد قوة أمنية تتبع الأجهزة الأمنية الفلسطينية في منطقة "ج" التي يسيطر عليها جيش الاحتلال الإسرائيلي ما يشير إلى تنسيق عالي المستوى بين السلطة الفلسطينية وجيش الاحتلال في قمع أي صوت معارض لنهج التنسيق الأمني والتعاون مع جيش الاحتلال الإسرائيلي.

جريمة اغتيال نزار بنات كشفت ورقة التوت الأخيرة عن الواقع الأليم الذي تعيشه الضفة المحتلة بين احتلالين الأول يهدف إلى مصادرة الأرض وتهجير الفلسطينيين ووأد أحلامهم ببناء الدولة والاستقلال، والثاني يهدف إلى تعزيز القبضة البوليسية ومصادرة الحريات، ووأد أي صوت فلسطيني ينادي بالحرية وبناء دولة القانون، والتخلص من التبعية الأمنية والاقتصادية لدولة الاحتلال.

حالة من الإنكار تعيشها قيادة السلطة الفلسطينية وحركة فتح في رام الله من التغيّرات الكبيرة التي شهدها الشارع الفلسطيني بعد معركة سيف القدس، والتي تمثّلت في التأييد الجارف للمقاومة الفلسطينية، والانخفاض الحادّ في الحاضنة الشعبية الداعمة للسلطة وحركة فتح، والتي أكدتها العديد من استطلاعات الرأي الأخيرة وفي مقدمتها استطلاع الرأي الذي نشره المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في رام الله قبل أيام، والذي أوضح أن 53% من أبناء الشعب الفلسطيني يعتبرون حركة حماس الأكثر جدارة بتمثيل وقيادة الشعب الفلسطيني مقابل 14% فقط لحركة فتح بقيادة محمود عباس، ما يشير إلى أن السلطة الفلسطينية بشكلها الحالي أضحت عبئًا ثقيلًا يعيق التحرر الفلسطيني من الاحتلال الإسرائيلي.

تصاعد الاعتداءات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية الفلسطينية مؤخرًا ضد أهالي المعتقلين السياسيين في رام الله، واعتقال عشرات الحقوقيين والكُتّاب، والأسرى المحررين، والتنكيل بالنساء، والسحل في الطرقات، واعتقال الصحفيين، ومصادرة معداتهم الصحفية، ومنع الاعتصامات السلمية، واستدعاء مشاهد الملثمين في شوارع الضفة باسم كتائب شهداء الأقصى، وإطلاق التهديدات ضد من يفكر في الاعتصام ضد إجراءات السلطة القمعية، ومطالبة الاحتلال بدعم أجهزة السلطة القمعية من خلال توفير أدوات فض التظاهرات بحسب ما نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، وشبهات الفساد التي تحيط بصفقة "لقاحات كورونا"، والتي تطال قيادات وازنة في السلطة الفلسطينية، بحسب وثيقة رسمية مُسرَّبة نشرتها "شبكة قدس" أول من أمس، والفصل التعسفي لأي فلسطيني يستنكر حالة القمع التي تشهدها الضفة والتي كان آخرها إقالة رئيس مجلس إدارة المكتبة الوطنية العامة إيهاب بسيسو وفصل الدبلوماسية في السفارة الفلسطينية في "لشبونة" شهد وادي بسبب رفضهما قتل المعارض السياسي نزار بنات، وتوفير غطاء سياسي لقتلة الشهيد بنات، جميعها شواهد تؤكد أن قيادة السلطة وحركة فتح في رام الله وصلت إلى درجة من الدكتاتورية الفاشية في التعامل مع أبناء شعبها، ولا مانع لديها من مشاركة الاحتلال في قمعه واضطهاده وحرمانه من حقه في التعبير عن رأيه ولو بالكلمة.

أخطأت حركة فتح وقيادة السلطة كثيرًا في تقديرها للغضب الشعبي المتصاعد بعد جريمة اغتيال الناشط السياسي نزار بنات، وبدلًا من إقدامها على سحب فتيل الغضب من خلال إقالة حكومة اشتية الذي يشغل منصب وزير الداخلية، وتقديم قادة الأجهزة الأمنية الذين أعطوا الأوامر المباشرة بتنفيذ جريمة القتل لمحاكمة علنية، ذهبت إلى البحث عن كبش فداء من خلال تشكيل لجنة تحقيق حكومية برئاسة وزير العدل في حكومة اشتية افتقدت للشفافية والحيادية بعد انسحاب ممثلي العائلة والمؤسسات الحقوقية من عضويتها، علاوة على إحجام تلك اللجنة الشكلية عن الإعلان عما توصّلت إليه من نتائج، إضافة إلى قيام جهاز المخابرات العامة التابع للسلطة الفلسطينية في رام الله بالضغط على قيادة حركة فتح في غزة لافتعال احتجاجات وصدامات مع الأجهزة الأمنية في غزة بهدف لفت الأنظار عن حالة القمع وملاحقة الحريات التي تعيشها الضفة المحتلة، بحسب ما نشرته وكالة "فلسطين الآن" الإخبارية قبل أيام.

الاعتداءات الأخيرة التي نفّذتها أجهزة السلطة الأمنية تجاه الرافضين جريمة اغتيال نزار بنات، وإصرارها على قمع الحريات، والتغوّل على الحريات العامة في الشارع الفلسطيني، هي امتداد طبيعي لحالة الفشل السياسي والتفرّد بالتمثيل والقرار الوطني التي يعيشها محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله، والذي ارتكب سابقًا مجازر قانونية حين أقدم في ديسمبر 2018م على حل المجلس التشريعي الفلسطيني، وأعاد تشكيل مجلس القضاء الأعلى في رام الله مطلع يوليو 2019م، في تغوّل كبير على المنظومتين القضائية والتشريعية، ومخالفة واضحة للقانون الأساسي الفلسطيني الذي نصّ على مبدأ الفصل بين السلطات، وكأن عباس كان يستعد لمثل هذه الأيام التي ينتفض فيها الشارع في الضفة مطالبًا بالحرية فيجد نفسه أمام منظومة قمعية متكاملة الأركان، ولا تختلف في شكلها المُعلَن عن منظومة الاحتلال الذي يمارس قمع الفلسطينيين واضطهادهم منذ عشرات السنين.

ختامًا قد تنجح قيادة السلطة الفلسطينية في رام الله وأجهزتها الأمنية مؤقتًا في قمع الاحتجاجات التي تطالب بحُرِّية الرأي والتعبير أو التظاهرات السلمية الداعمة المعتقلين السياسيين، لكنها بكل تأكيد لن تنجح في وأد الصوت الفلسطيني الحر، الذي بات لا يخشى آلة القمع والاضطهاد، ويرى في أجهزة الأمن القمعية امتدادًا لمنظومة الاحتلال، ويعتبر تحييدها أو الخلاص منها مقدمة ضرورية للانعتاق من ظلم الاحتلال والمحتلين.