دلالات الاعتداء على الصحفيات في مظاهرات رام الله

شكّل الاعتداء الوحشي الذي نفذه المسلحون -أعضاء الأجهزة الأمنية- بزي مدني على المتظاهرين احتجاجاً على اغتيال نزار بنات، خاصة الصحافيات بتاريخ 26-6-2021، صدمة كبيرة للرأي العام الفلسطيني. هذا الاعتداء شمل مجموعة من الصحافيات، هن: فاتن علوان، ونجلاء زيتون، وسجى العلمي، وشذى حمد، وفيحاء خنفر.

إن متابعة أحاديث الصحافيات سابقات الذكر لوسائل الإعلام بعد الاعتداء عليهن يؤكد جملة من الحقائق، تتمثل في:

أولاً: المظهر العام للصحافيات يؤكد أنهن لا يتبعن جهة سياسية معينة، وإنما يغطين الطيف الاجتماعي الفلسطيني، وعليه لا يمكن لمن قمعهن أن يدّعي أنه يواجه أعداءه السياسيين، الذين يروّج باستمرار أنهم يدبرون المكائد لإسقاطه، ناهيك بأن هؤلاء الصحافيات يعملن لوسائل إعلام مختلفة، وجميعهن صاحبات ملف مشرِّف، وموثّق، في تغطية اعتداءات جيش الاحتلال على الشعب الفلسطيني.

ثانياً: عكست مشاهد الاعتداء على الصحفيات، التي تمكنت العدسات من التقاطها، عن شراسة عناصر الأجهزة الأمنية، وعن وجود استعداد نفسي لديهم للذهاب بعيداً في قمع الناس، إضافة إلى وجود إحساس كامن في دواخلهم بأن كل أطياف الناس هم أعداء محتملين للمشروع الذي يعملون على خدمته، ويُحصِّلون منه أرزاقهم.

ثالثاً: عكست شهادات الصحافيات، عبر الفيديوهات، عن استعداد منتسبي الأجهزة الأمنية، ليس للتصرف خارج إطار القانون في قمع الناس، بل عن استعداد للخروج عن كل القيم والأخلاق التي أجمع عليها البشر، خاصة في تهديد النساء في أخص خصوصياتهن من خلال السطو على صورهن الخاصة المحفوظة على جوالاتهن، ونشرها على العلن، لكنهم لم يُدركوا أنهم فضحوا خستهم ونذالة الأجهزة التي يمثلونها، ولم يتمكنوا من النيل من شرف ونُبل أي حُرّة منهن.

رابعاً: اعتقدنا خلال السنوات الماضية، ومن خلال التنظير الواسع عن أهمية مشاركة المرأة في المناصب، اعتقدنا أن حضور المرأة في المناصب هو مكسب لقيم الحرية والعدالة واحترام حقوق الإنسان، لكن في هذه الحادثة توجد ثلاث إشارات خطِرة، أولاها أن محافظ رام الله هي الدكتورة آمال غنّام، من المفترض أنها المسؤولة عن حفظ النظام وتطبيق القانون في المدينة، وما جرى قريب من مكتبها، فما موقفها؟ هل هي من أعطى هذه التعليمات؟ أي التعامل بتوحش مع الصحفيات، وماذا قالت بعد ذلك الاعتداء المتوحش؟ هل اتخذت إجراءات بحق المعتدين؟ هل تواصلت مع الصحافيات، واعتذرت لهن؟

أما الإشارة الثانية فتتمثل في أن الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية تأخر في استنكاره الحدث، مع أن ما جرى كان يُبث على الهواء مباشرة، ويبدو أن إدانة الاتحادِ الجريمةَ، جاءت بعد تدخلات ومطالبات من جهات وأشخاص، إضافة إلا أن الاتحاد لم يتخذ إجراءات مثل رفع شكاوى أمام المحاكم، وتكليف محامين بتمثيل الصحافيات في المرافعة أمام المحاكم الفلسطينية.

وثالث الإشارات، أن من طاقم الاعتداء على الصحافيات كانت امرأة، وفي العادة تصطحب قوى الأمن معها النساء للحفاظ على حرمات البيوت وعوراتها، إلا أن هذه المرأة شاركت في الضرب والسحل للصحفيات، والصور توثق ذلك، وكما شهدت الصحافية نجلاء زيتون، فقد قالت تلك المُجنّدة في أجهزة الأمن لزملائها: (افضحوا عرضهن)، وتقصد الصحافيات. لا أعرف إذا كان من حقنا أن نسأل عن الثقافة والتدريب والتهيئة النفسية التي يتلقاها أمثال هذه المجندة في الأجهزة الأمنية، هل هن موجودات لضمان تعامل إنساني مع النساء، أم لفضح أعراض النساء؟

خامساً: لقد تلقت الأجهزة الأمنية تدريبات لا عدّ ولا حصر لها فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان، ومراعاة حقوق النساء، إضافة إلى مفاهيم الجندر، وضرورة تعميمها في المؤسسة الأمنية، أين ذهب كل هذا التدريب؟ وهل كانت السلطة وأجهزتها الأمنية جادة في التعامل مع هذه التدريبات؟ أم أن المسألة متعلقة بالتمويل وضرورته؟

هذه الأسئلة بشأن التدريبات مهمة، خاصة أن السلطة وقّعت اتفاقية سيداو (ليس هذا هو مكان نقاش اتفاقية سيداو، ولكن السلطة وقّعتها)، وتعهدت بتطبيقها، وتعديل كل القوانين، ومن ثم الممارسات التي تخالف هذه الاتفاقية، وأكثر من ذلك، فقد أجرت السلطة نقاشات واسعة، وأعدت مسودات لقانون أطلقت عليه اسم (قانون حماية الأسرة)، وهذا القانون يضع مسؤولية حماية النساء من آبائهن وأزواجهن تحت مسؤولية السلطة وأجهزتها الأمنية!

ما موقف السلطة من النساء وحقوقهن وحرياتهن؟ هل هو تعامل ظاهري شكلي بهدف الحصول على التمويل؟ أم هل هو اعتراف بحقوق النساء في كل الأحوال؟ أم أن حق المرأة المكفول هو ذلك الحق المتعلق بتذرير المجتمع (أي تحويله إلى ذرات متناثرة وأفراد لديهم قدر كبير من القدرة على التحلل من الروابط الاجتماعية المتوارثة)؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ضروري جداً لفهم سلوك السلطة التي تذهب بعيداً في كل شيء، إذا عدّت السلطة أن الحقوق والحريات رزمة واحدة، بحيث تضمن للإنسان حقه في السلوك الفردي بعيداً عن الموروثات الاجتماعية، وفي نفس الوقت تكفل له الحق في التجمع ضمن أشكال حديثة من أجل النضال لتحقيق الحرية والعدالة، فهذا سلوك محترم، ويجب أن نتوافق عليه، ولكن إذا شجعت السلطة السلوك الفردي في إطار رؤية لإضعاف التماسك الاجتماعي القائم، وأعاقت التجمع التطوعي، ومنعت النضال من أجل تحقيق العدالة، فهي سلطة مستبدة تُشجّع السلوك الفردي في سياق رؤية لإضعاف البنى الاجتماعية المتوارثة كجهات يمكن أن تقف في وجه التسلط، وبهذا يُصبح المجتمع ضعيفاً أمام هذه السلطة، وتواصل العبث في مقدرات الشعب الفلسطيني.

سادساً: لم يتوقف الأمر عند قمع الصحافيات، والتطاول عليهن بالألفاظ النابية والمُخجلة، التي لا يتداولها إلا السفلة والأرذال، بل واصلوا الهجوم عليهن، في محاولة لتشويههن على صعيد السلوك الشخصي والمهني ومن ناحية الولاء لجهات خارجية، وهذا يكشف نهج هذا الفريق المتسلط على الحكم في بلادنا، فهو يعمل على تشويه كل قوة تأخذ شكلاً منظماً وفاعلاً من أجل محاربة التسلط والفساد، ويقذف هذه القوى بأبشع الاتهامات، وإذا فشل في إقناع المجتمع بأكاذيبه، فإنه يُهدد السلم المجتمعي من خلال نشر الفوضى، حتى يصل الناس إلى قناعة بأن الوضع السابق على الاحتجاج كان أفضل من الوضع الجديد بعد الاحتجاج.

وهذا يتطلب من كل المؤمنين بالحرية ودعاتها والمحتاجين إليها، مهما كانت مذاهبهم وأطيافهم الفكرية، وأنماطهم الاجتماعية، عليهم أن يتحدوا من أجل محاربة الاستبداد والفساد، إذ لا يوجد شر أكبر من الاستبداد والفساد.