عشرة مشاهد وخرائط الشرق الأوسط.. إلى أين؟

هناك نوعان من الخرائط: خرائط جغرافية تتعلق بالأقاليم على كل المستويات، وخرائط سياسية، وهي فائض النفوذ السياسي وتفاعلاتها في منطقة معينة، وهي تسفر عن تحالفات وتكتلات من أجل الاستقرار أو تنذر بالانفجار، ويكون الانفجار عاملا مهمّا لإعادة ترتيب الأوضاع.

والمعلوم عبر التاريخ أن الدول الرئيسة في النظم الدولية المتعاقبة، هي التي ترتب الأوضاع في الأقاليم أخذًا في الاعتبار القوى الإقليمية البازغة. وتطبيقا لذلك فإن كل الدول الرئيسة التي لديها فائض القوة، كانت تحتل مصر بالذات، وهي مركز المنطقة، وهكذا ظلت مصر محتلة بعد العصر الفرعوني لمدة تزيد على الألفي العام، وهو المنطق نفسه الذي تبناه المشروع الصهيوني، ونجح عندما أبرم صفقة كامب دايفيد مع السادات، ومع ذلك تعمل (إسرائيل) لتخريب لمصر والمنطقة العربية ضمانا لوجودها وخوفا من تغير الأحوال، وهو ما سيحدث قطعا.

وأخيرًا فإن التحركات في المنطقة تعني نسقا معينا من العلاقات بين الدول السقفية ceiling states، أي الدول النافذة المؤثرة في المنطقة، كما أنها تعني أن الخرائط السياسية تتغير وتزحف نحو نظام تستقر عليه في نهاية المطاف يبقى بعض الوقت إلى أن يقع ما يحركه مرة أخرى.

فقد لاحظنا أن (إسرائيل) مدعومة من الدول الرئيسة، قد زرعت في المنطقة وركزت على مصر مفتاح المنطقة، وظلت التفاعلات وحتى تشكيل نظم الحكم في مصر وسياستها الخارجية تتأثر تأثرًّا حادًّا بـ(إسرائيل) على أي نحو، حتى ظهرت مشروعات إقليمية ثلاثة هي: الإيراني والتركي، وكلاهما يزاحم المشروع الصهيوني الذي يدعمه الغرب، وفي المقدمة واشنطن، وكل هذه المشروعات تتناحر على جثة العرب.

أما التحركات، فهي أكبر من أن تحصى، ويظن المراقب أنها وقعت فجأة لتواترها وتكاثرها، ولكنها في الواقع تخمرت طوال العقد المنصرم.

فـ(إسرائيل) ما تزال تحاول ضبط سياسة واشنطن فى سوريا وتجاه إيران والمنطقة على ميزان مصالحها في الانفراد بالهيمنة، ما دامت (إسرائيل) هي الوكيل الحصري للمصالح الأمريكية، وقد حاولت تركيا التدخل في المساحة التي تخص (إسرائيل) وهي فلسطين التي احتكرت واشنطن و(إسرائيل) التصرف فيها، وتعددت مداخل تركيا، ولكن شغلتها شواغل أخرى عندما نهرتها (إسرائيل) بحدة في حادث مافي مرمرة في مايو 2010.

وتحاول إيران بطرق مختلفة تقويض المشروع الصهيوني، ولذلك تلتزم (إسرائيل) معادلة صفرية مع إيران.

وتتوالى المشاهد:

المشهد الأول: المحادثات السعودية الإيرانية في بغداد.

المشهد الثانى: تداعيات سياسة بايدن الجديدة، وقد تجلت في الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، ومحادثات العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، واتفاق الدوحة بين واشنطن وطالبان، ورفع الحوثيين من قائمة الإرهاب مع وقف النار في اليمن، وتعيين ممثل خاص للملف مع طمأنة السعودية بأنها ستدعم أمن السعودية ضد العدوان عليها، وفي الوقت نفسه وقف الدعم للتحالف السعودي في اليمن، والإصرار على جلب السلام إلى اليمن. كذلك تجلت سياسة بايدن في ليبيا حيث تتجه نحو السلام، وفي الوقت نفسه تعزيز التعاون مع تركيا مع استمرار دعم الأكراد ضد تركيا، ثم اتجاه تركيا نحو المهادنة مع مصر وقبرص واليونان و(إسرائيل). ثم بدأت المحادثات غير المباشرة بين (إسرائيل) ولبنان بشأن ترسيم الحدود البحرية بين البلدين ثم اهتمام واشنطن بتسوية المشكلات بين حلفائها في القرن الإفريقي وسد النهضة.

المشهد الثالث: زيارة وفد سعودي إلى دمشق ولقائه الرئيس بشار الأسد.

المشهد الرابع: تخفف مصر من تورطها في عدد من الملفات، وتركيزها على التهدئة مع تزايد مشكلة سد النهضة واحتمال حلها بالخيار العسكري.

المشهد الخامس: التقارب المصري السوداني وصل إلى حد التنسيق العسكري، واتخاد المواقف في سد النهضة.

المشهد السادس: التقارب السوداني الأمريكي وبحث دعم الاقتصاد السوداني، بعد رفع السودان من قوائم الإرهاب وتطبيع العلاقات بين البلدين في جميع المجالات، خاصة بعد اعتراف السودان بـ (إسرائيل) في إطار عملية التطبيع التي شجعتها واشنطن والتي شملت المغرب والإمارات والبحرين.

المشهد السابع: تصريح وزير خارجية روسيا بأن التطبيع العربي مع (إسرائيل) يجب ألّا يهمش القضية الفلسطينية، كما أن موسكو أدانت عنف (إسرائيل) ضد المقدسيين ومصادرة أراضيهم، واقترحت لقاءً على مستوى وزاري لبحث استئناف المحادثات بين فلسطين و(إسرائيل).

من الواضح أن موسكو توسع دائرة تدخلها في القضية لتنافس واشنطن استنادا إلى أن علاقتها بـ(إسرائيل) تكفل لها دورا فى القضية، خاصة أنها تنسق معها في سوريا ولا تعترض على هجماتها على المواقع الإيرانية في سوريا، ومن ناحية أخرى تدخل موسكو في تحالف مع إيران في الملف النووي وغيره ضد واشنطن، كما ساندت الصين طالبان ضد الوجود الأمريكي والغربي؛ ما اضطرهم إلى الجلاء منها.

المشهد الثامن: محادثات سرية بين السعودية والحوثيين فيث إطار برنامج جلب السلام لليمن وتخفيف التوتر مع إيران وتخفيف ضغوط الحوثيين على الأراضي السعودية.

المشهد التاسع: تزايد دور عمان في الوساطات الإقليمية، إضافة إلى المحادثات بين الفرقاء في مسقط، وهذا دور تقليدي لسلطة عمان منذ عقود.

المشهد العاشر: اتصالات متنامية بين تركيا والسعودية بعد توتر مكتوم بين تركيا والسعودية والإمارات منذ محاولة الانقلاب العسكري في تركيا عام 2016، ثم الصدامات غير المباشرة بين تركيا والبلدين في ليبيا مثلا.

وبالطبع فإن المصالحة الخليجية كانت منطلقا للتحركات، وخاصة في اندفاع الإمارات والبحرين نحو التطبيع مع (إسرائيل).

هذه المشاهد العشرة تؤكد أنه لن يكون هناك تحالفات جديدة، ولكن إيران سوف تكون أقدر على مناهضة (إسرائيل)، وأن السلام في اليمن قد اقترب، وأن مصر تحررت من الضغوط مع المحيط بها.

ولكن بقيت القضية الفلسطينية مهمشة، كما أنه لا يلوح في الأفق مشروع عربي ينهي صراع المشروعات على الجسد العربي.

وأخيراً فإن الضوء الأخضر الأمريكي كان ضروريا لإحداث السيولة السياسية التي رأيناها.

ويترتب على ذلك أن العالم العربي وجامعته قد انكمش، كما لا يلوح مشروع للشرق الأوسط، لكنه ليس مستبعدا في المرحلة القادمة، خاصة أن واشنطن تحاول أن تفيد (إسرائيل) بكل هذه المشاهد.