عصر إعادة الاعتبار للمقاومة ووحدتها وتوسيع صورها

أوضحت أحداث القدس وغزة من 10-22 مايو 2021 وسلوك (إسرائيل) الإجرامي أن المقاومة المسلحة هي درع الأمان لكل الشعب الفلسطيني الذي انفردت به (إسرائيل) بكل قوتها المدعومة من واشنطن والغرب فانطلقت تبيد الشعب الفلسطيني في كل فلسطين، وبالطبع فإن المقاومة تدافع عن الشعب في كل مكان في فلسطين ضد وحشية (إسرائيل) التي تمثل رأس المشروع الصهيوني والتي تقيم شرعيتها على قوة جيش الاحتلال وثقة الإسرائيليين في هذه القوة وفي قدرته على حمايتهم وحماية وحشيتهم ضد الفلسطينيين.

 ويبدو أن (إسرائيل) أرادت أن تبدأ عملية واسعة لاقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه أو إجراء بروفة لعل بعضه يباد بقسوة والبعض الآخر يفر بجلده من مصير الإبادة. ولكن (إسرائيل) وجدت مفاجآت أربكت حساباتها. فرغم مباركة الغرب لحملة الإبادة باعتبارها حقًّا مشروعًا للدفاع عن النفس، وهي كذبة بلهاء يكذبها الواقع المرير وسجلتها كل وسائل الإعلام وكشفت الحكومات الغربية أمام شعوبها التي عانت القهر من بطش اللوبيات الصهيونية التي عطلت حرية التعبير في الأكاذيب الصهيونية ولكن هذه الحرية تسطع كلما كانت تمارس ضد مقدسات المسلمين وتصادر هذه الحرية في كل ما يتعلق بسلوك (إسرائيل) التي وصمت كل من ينتقده بأنه يرتكب جريمة معاداة السامية، أما الإسلاموفوبيا فهي مساحة لممارسة حرية المواطن ضد المسلمين.

من المفاجآت أيضًا لـ(إسرائيل) ولكل العالم أن الشعب الفلسطيني كله في جميع مناطق فلسطين أسقط رهانات (إسرائيل) على تمزيق الشعب وحصره داخل مناطق فلسطين.

ومن أهم المفاجآت أن الشعب كله صار حاضنة شعبية للمقاومة ويتحمل كل التضحيات والأضرار التي ألحقتها (إسرائيل) بالسكان المدنيين حتى يكفروا بالمقاومة ويتمردوا عليها باعتبارها سبب كل هذه الكوارث ولكن الشعب أبى أن يقبل الظلم في حي الشيخ جراح في القدس ومنع المصلين من دخول المسجد الأقصى تمهيدًا للسماح لجموع المستوطنين من جماعة الهيكل بدخول المسجد الأقصى وهدمه كخطوة أولية لبناء الهيكل المزعوم مكانه. لأول مرة تتجاسر المقاومة على (إسرائيل) فتضرب القدس وترفع الروح المعنوية لسكان الحي والمصلين، فتضطر (إسرائيل) إلى إلغاء مشروع دخول المستوطنين المسجد الأقصى وربما خططت (إسرائيل) أن يكون هذا الإلغاء مؤقتًا بينما تفرغ من تأديب المقاومة، ولم تحسب حساب روح التحدي التي ولدتها في المقاومة مدعومة بروح التحدي الشاملة في كل أراضي فلسطين وبالأخص داخل (إسرائيل) ووجدت (إسرائيل) أن الشعب ومقاومته تجاوزت السلطة الفلسطينية وحساباتها.

يهمنا في هذه المقالة أن نشرح العصر الجديد الذي أهل على المنطقة بتماسك الشعب كله وصموده ومطالبته بكل فلسطين ما دامت (إسرائيل) المزروعة في المنطقة تنكر عليه حق الحياة بكرامة وتجعل التعايش والسلام مستحيلًا وقد أيقن الشعب الفلسطيني أنه هو الذي يحرر فلسطين ويتصدى وحده لقوة (إسرائيل) مدعومة بجفاء بعض العرب المضللين وأن مقاومته هي الضمان لبقائهم الذي هددته (إسرائيل) بعنف.

وقد رصدنا خمسة أسباب شكلت عناصر قرار (إسرائيل) بحملة الإبادة الشاملة لغزة بالذات وفى عموم فلسطين:

السبب الأول: هو أن المقاومة في تقديرها في أسوأ أحوالها وأن خطة الإبادة تشمل القضاء على المقاومة ونزع سلاحها وقد أوضحت (إسرائيل) هذا الهدف.

السبب الثانى: أن المقاومة تجد الدعم في إيران وحدها وإيران يتم إحباطها وإضعافها ولا شك أن تحقيق هدف (إسرائيل) في المقاومة كان كفيلًا بتشدد واشنطن والغرب في مفاوضات فيينا بشأن الملف النووى. ثم إن حصار غزة ونشر العملاء والدعاية النفسية ضد المقاومة وبأنها ليست لديها الشجاعة للتصدي لـ(إسرائيل) وحاولت (إسرائيل) الوقيعة بين فصائل المقاومة ثم بين المقاومة والشعب الفلسطيني خاصة في غزة التي تعرضت لحصار ظالم وقاسٍ من جميع الجوانب البرية والبحرية والجوية. وقد حرصت (إسرائيل) على المكيدة لغزة وأنها تعمدت أن تعاقب المقاومة بإنزال أفدح الأضرار المادية والبشرية واغتيال قيادات المقاومة، وبدأت بعدوان 2008-2009 ثم عام 2012 ثم عام 2014، وكانت في خسائرها في مستوى الهولوكوست الذي يقول اليهود إن هتلر أنزله بهم فجاء أحفاد الناجين من المحارق لينصبوا محارق للشعب الذي استضافهم وآواهم ولا علاقة له بما حدث لأجدادهم في ألمانيا، حسبما عبرت بعض أصوات المنصفين.

السبب الثالث: هو تخلي الوسط العربي الرسمي عن المقاومة بل وصمها رسميًّا في الجامعة العربية بالإرهاب، بل إن بعض عناصر حماس وقياداتها تم سجنهم أو اغتيالهم بالتعاون مع (إسرائيل) في بعض دول الخليج كما تم وضع المنظمات على قوائم الإرهاب في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. كما تم تعقب حماس ورفع دعاوى ضدها في بعض الدول العربية.

كل ذلك أحبط المقاومة وأحبط الفلسطينيين وقسم الدول العربية والشعب الفلسطيني بين المقاومة (الإرهاب) وبين السلام (المفاوضات عن طريق السلطة) وهي قسمة ظالمة ومضللة. وقد انضمت الدول العربية المتعاونة مع (إسرائيل) في معاداة المقاومة وتشديد الحصار على غزة رغم أن غزة دون عدوان وتدمير لا تحتمل ظروف البقاء.

والفصل بين غزة (الشعب) وبين غزة (المقاومة) كان عاملًا أساسيًّا في السياسات الإسرائيلية وبعض الدول العربية.

السبب الرابع: هو أن (إسرائيل) أسهمت في حملة مطاردة الإخوان المسلمين في بعض الدول العربية واعتبرت أن العداء للإخوان سوف يمتد إلى حماس على أساس أنها فرع من الإخوان وهذا سبب حرجًا لحماس في الكثير من المواقف والدول. وقدرت (إسرائيل) أنه كلما اشتدت حملة مطاردة الإخوان، ألحق ذلك الضرر بحماس والجهاد.

 وارتبط بهذه الأزمة أن سيناء شهدت موجات من الإرهاب عقدت علاقة حماس أحيانا بالسلطات المصرية.

السبب الخامس: تقدير (إسرائيل) أن السلطة العربية لديها حساسية من المظاهرات، وحيث إن التيارات الإسلامية هي التي كانت تقود مظاهرات الاحتجاج على (إسرائيل) ومناصرة المقاومة، فقد اطمأنت (إسرائيل) إلى تورطها في صراع السلطة في معظم الدول العربية وأسهم ذلك في قتل الشارع العربي الذي كان نصير الفلسطينيين والمقاومة. ويخطئ من يقيس تعاطف الشارع العربي مع المقاومة بعدد المظاهرات ضد (إسرائيل)، فالشارع الذي يغلي بالغضب لا يميز بين الغضب من الحكام والغضب من (إسرائيل). أي أن شيطنة الثورات العربية منع المظاهرات لأي سبب، وأفاد (إسرائيل) كثيرًا خاصة، وأن (إسرائيل) توسعت في التطبيع مع عدد جديد من الدول العربية، كما ضمنت قمع الحكام العرب للشارع العربي ومنع المظاهرات لأي سبب خوفًا من تحول مظاهرات الاحتجاج على (إسرائيل) إلى الاحتجاج على الحكام ونظمهم.

لكل هذه الأسباب وغيرها شجع الغرب (إسرائيل) على إبادة الشعب الفلسطيني ومقاومته.

وتدرك (إسرائيل) جيدًا أن المقاومة ضد (إسرائيل) قامت في فتح عرفات واتخذت أشكالًا مختلفة ثم آلت إلى حماس ثم بقية المنظمات بما فيها جناح ثوري في فتح، كما اطمأنت (إسرائيل) إلى نتائج أوسلو وانقسام فتح وحماس، وانقسام الشعب بين منهجين: مفاوض ومقاوم. وقد أزعج (إسرائيل) رهان المقاومة على قضية القدس والمسجد الأقصى وكسبها للرهان، حيث أشعرت (إسرائيل) أن للقدس سيفًا يحميها خاصة وأن المقاومة أسمت الحملة سيف القدس. وكانت (إسرائيل) فيما رددت أوساطها قد اشتاطت غضبًا لما أسمته مساس المقاومة بالقدس عاصمتها الأبدية المزعومة وفى ذكرى ما أسمته زورًا وبهتانًا "توحيد القدس"، فصورت حملة الإبادة ضد الجميع بأنه انتقام للمساس بسيادتها المزعومة على القدس. ويبدو أن الغرب قد استند إلى هذا التبرير الكاذب في تشكيل موقفه من الأحداث.

والخلاصة: نقلت هذه الأحداث المقاومة من مجرد منظمات إلى عقيدة كما نقلتها من كتلة سياسية وعسكرية إلى آفاق أوسع ثقافية وفكرية ونضالية. ومن ناحية ثالثة طورت المقاومة وظيفتها الأساسية وهي مقاومة العدوان ثم مناهضة الاحتلال إلى سلوك يرفض استحواذ اليهود على فلسطين والاستخاف بالعرب عموما. وقد خرج الفلسطينيون من هذه المعادلة حيث نابوا عن كل العرب في الدفاع عن العروبة وعن كل المسلمين في الدفاع عن الأقصى أول قبلة للمسلمين.

وفي عصر المقاومة لا بد من إضافة مساحات أخرى للمقاومة وهي المقاومة الفكرية والثقافية وتفنيد الأساطير التي ألصقتها (إسرائيل) بنفسها، (وتوسيع دائرة المقاومين) وتلك التي وصمت المقاومة بها، كما ردت المقاومة بسلوكها الشجاع على الترهات التي ألصقها البعض بالفلسطينيين وحملة شيطنتهم في الدول العربية.

وقد جرت العادة على تصنيف المقاومة الفلسطينية بأنها مقاومة سنية كما زعمت (إسرائيل) واستغلت الأزمة بين منظمات المقاومة في سوريا والحكومة السورية. فأدرك الجميع أن (إسرائيل) تستهدف العرق الفلسطيني مهما كانت عقيدته الدينية.

كذلك ترتب على بزوغ عصر المقاومة المطالبة بتصحيح الموقف العربي منها في الدول العربية وداخل الجامعة العربية.

ومن آثار هذه المرحلة أن السلطة يجب أن تعتز بالمقاومة ولا تعتبرها انقلابًا عسكريًّا وفصلًا لغزة عن مناطق فلسطين. وأن يتوقف تعاون السلطة مع (إسرائيل) تحت شعار التنسيق الأمنى ورفع العقوبات عن غزة التي فرضت عليها لإعادتها إلى بيت الطاعة.. فالآن عصر جديد كل الفلسطينيين وكل مؤسساتهم تطالب بكل فلسطين مقابل اغتصاب (إسرائيل) لها وخططها لتفريغ فلسطين من سكانها ليحل اليهود محلهم.