مزاعم استقلال (إسرائيل) واليوم الوطني لها

كل دولة تحدد لنفسها اليوم الوطني الذي يجمع فيه الشعب الاعتزاز بهذا اليوم. في الدول الملكية عادة اليوم الوطني هو عيد جلوس الملك وفي بعض الدول يوم الاستقلال هو اليوم الوطني وفي بعضها الآخر اليوم الوطني هو ذكرى حدث داخلي أو خارجي هام. ففي مصر اليوم الوطني هو ذكرى قيام ضباط يوليو في 23 يوليو 1952 بطرد الملك فاروق ثم أضيفت إليه ذكرى انتصار أكتوبر وعيد تحرير سيناء وعيد استرداد طابا. أما (إسرائيل) فقد زعمت أن 15 مايو يوم أن أعلنت الحكومة المؤقتة لـ(إسرائيل) في غرب القدس بعد مذابح الفلسطينيين والاستيلاء عليها هو عيد الاستقلال عن بريطانيا العظمى. والطريف أنها فرضت ذلك على العرب فصاروا يهنئونها بعيد اغتصابها فلسطين.

هذا المقال هو جزء من حملة التوعية بالحقائق التى شوَّهها الكُتَّاب العرب ولا تزال السفارات الإسرائيلية في الدول العربية تحتفل بيوم الاستقلال الوهمى وتشاركها السلطات الرسمية العربية. هذا التقليد وهذه الأكاذيب لا بد أن تتوقف وأن تحذف من كتب التاريخ المزور. فإعلان قيام (إسرائيل) باطل لأنه لم يشر إلى قرار التقسيم ومكان الإعلان في مدينة مغتصبة، ولذلك فإن كابوس الشرعية يطارد الكيان الغاصب. وقد خاضت مصر مفاوضات متعددة مع (إسرائيل) بدأت بمفاوضات الكيلو 101 ثم عام 1982 وكسب معركة طابا في نوفمبر 1989 وهو نفس التاريخ الذي عادت فيه الجامعة العربية من تونس إلى مقرها الدائم في القاهرة وعودة العلاقات المصرية العربية التى قُطعت بسبب إبرام مصر لصلح منفرد مع (إسرائيل). وفيما يتعلق بـ(إسرائيل) فقد لاحظنا أن في صفقات السلام مع مصر والأردن أصرت (إسرائيل) على الاعتراف بها وإنشاء العلاقات الدبلوماسية معها مع أنه في الظروف العادية تظل إقامة العلاقات والاعتراف قرارًا سياسيًّا للدولة.

والغريب أن مصر اعترفت بـ(إسرائيل) فأعادت لمشروعها الحياة، وذلك دون تحفظات، فكانت (إسرائيل) لا تزال تغضب فلسطين وتحتل أجزاءً خارج قرار التقسيم فإذا بالعرب يعترفون بـ(إسرائيل) مضافًا إليها 22% فوق قرار التقسيم وأصروا على صفقة ساذجة هى الأرض مقابل السلام فضاعت الأرض وصار السلام إسرائيليًّا.

المهم أن خبرة التفاوض المصرية مع (إسرائيل) كشفت عن أسلوب إسرائيلى واحد وهو الزعم بأن لها حقوقًا ثم الإصرار عليه حتى تصدقه وتحاول أن تضع الطرف الآخر بصحته على قاعدة حتى تصدق نفسك ويصبح الكذب عقيدة ثم تسوق هذا الكذب إلى الطرف الآخر وكأنه عقيدة لا محيد عنها ثم يصبح التراجع عن هذه العقيدة الكاذبة ضربًا من المرونة والتضحية والتنازل واتسمت المدرسة الإسرائيلية بالإصرار على الانفراد بالخصم وترفض الوساطات أو الطرف الثالث إلا إذا كان أمريكيًّا حليفًا. وخلال مفاوضات كامب دايفيد عام 1978 أصرت (إسرائيل) على الفصل بين مبادئ التفاوض مع الأطراف العربية والمسألة الفلسطينية حيث أصرت (إسرائيل) على أن الحكم الذاتي للسكان، أما الأرض فلها وكان واضحًا أن (إسرائيل) قد بدأت تكشف عن نظريتها في استرداد فلسطين وليس الاتفاق على اقتسام فلسطين.

وخاصية أخرى في المدرسة الإسرائيلية وهي أنها تصدر معتقداتها الكاذبة بالتدريج وتتراجع عن بعضها مقابل مكاسب من الطرف الثانى. وقد صورت هذه الحال في مقالة عنوانها القرد وبائع الجبن حيث جاء اليهودى إلى فلسطين غازيًا ثم مدعيًا أن أجداده كانوا هناك، المهم أن القرد أراد أن يشترى جبنًا من البقال واشترط أن يزن للجبن بالجبن فكلما علا جانب أكل منه حتى يصبح أقل من الكلفة الأخرى حتى أكل كل الجبن ولم يدفع شيئًا.

مزاعم الاستقلال والشهداء:

تطبيقًا لذلك اخترعت (إسرائيل) نظرية وهمية وهي أن اليهود عانوا من الاحتلال البريطانى لبلادهم وأنهم ناضلوا ضدهم حتى رحلوا. أما الصحيح فهو أن بريطانيا العظمى تعهدت خلال الحرب العالمية الأولى بأنها ستمكن اليهود من فلسطين تحت ستار وطن قومي لهم في فلسطين. فاللعبة البريطانية لم تصرح بأن كل فلسطين تصبح وطنًا لهم وإنما بعض فلسطين ولذلك قدمت بريطانيا مشروع التقسيم بعدها بثلاثين عامًا وكان ذلك غريبًا أن يقتسم اللاجئون الأرض مع أصحابها عقابًا لهم على حسن استضافتهم. والصحيح أيضًا أن بريطانيا هي التي أنشأت ودربت وسلحت العصابات المسلحة الشهيرة وادعى اليهود أنهم يخوضون نضالًا ضد الإنجليز للرحيل عن بلادهم بينما كان الفلسطينيون يقومون بالثورات ضد الاستيطان اليهودي المنظم الذي رعته بريطانيا. وأجادت بريطانيا وواشنطن صك اللعبة والمؤامرة لدرجة أن بريطانيا مقدمة مشروع التقسيم امتنعت عن التصويت عليه إمعانا في التضليل بل إن فكرة الانتداب أصلًا نجد ضدها في اتفاق سايكس بيكو التي أقرت في عهد العصبة عام 1918 وكلفت بريطانيا بالانتداب -الإشراف على المشروع الصهيوني في فلسطين كما أضافوا لها العراق أيضًا للتغطية- بينما أوكل إلى فرنسا الانتداب على الشام (سوريا ولبنان) حيث تنازلت عن مدينة الاسكندرون السورية لتركيا حليفتهم العلمانية.

فصار يوم إعلان قيام الكيان الغاضب في فلسطين هو اليوم الوطني لـ(إسرائيل). وصحيح أن كل دولة حرة في اختيار يومها الوطني، لكن (إسرائيل) زوَّرت الحقائق وأطلقت زورًا وبهتانًا على يوم اغتصابها فلسطين يوم الاستقلال وصدقوا هذه الفرية وصدقتها مصر والعرب فصارت السفارة الإسرائيلية في مصر والأردن تحتفل بالذكرى وتدعو المسؤولين للمشاركة في هذه المهزلة. أو بالطبع فإن هذه المواقف هي جزء من الصفقة بين النظم العربية و(إسرائيل) تحت ستار معاهدات السلام برعاية أمريكية مباشرة ولو حظرت مصر مثلًا الاحتفال بهذه المناسبة لما خرقت أيًّا من الالتزامات الدولية والأعراف الدبلوماسية. بل إن سفراء مصر والأردن في (إسرائيل) يدعون إلى الاحتفال بهذه المناسبة.

ولذلك أريد أن نسن سنة جديدة صحيحة وهي أن تصر مصر والأردن على إعادة الاعتراف بـ(إسرائيل) بشروط أولها أن تقر بحقوق الفلسطينيين.

والطريف أن بعض الغنم الشاردة عن العروبة والتى دخلت فيما يسمى الاتفاقات الإبراهيمية تهنئ (إسرائيل) بعيد استقلالها. فإذا افترضنا أن مصر والأردن جدلًا اضطرتا إلى الاعتراف بـ(إسرائيل) بلا شروط بضغط أمريكي وأملًا في استعادة الأرض، فما هي الضغوط التي تعرضت لها الأغنام العربية مع (إسرائيل)، إلا أن تكون مصالح الحكام على حساب مصالح الأوطان.

آن الأوان أن توضع الأمور في نصابها وتصحح الأحداث التي ساعد الحكام على تسويقها للشعوب بعد القهر والتجهيل. فيوم قيام (إسرائيل) على حتة فلسطين هو يوم النكبة الأولى، تلتها نكبات أشد وهو انصراف الوسط العربى عن فلسطين ودعم اغتصابها والتنكر للأمة العربية لمجرد أن الشعارات القومية كانت تؤذي هؤلاء الحكام.

سيظل قرار التقسيم خديعة وسيظل يوم اغتصاب (إسرائيل) لفلسطين تحت شعار الاستقلال الخديعة الكبرى التى يجب أن تنتبه لها الأجيال القادمة، كما ننكر على مصر والأردن الاعتراف غير المشروط بكيان غاصب يعتبر قوته هي التى تحدد حدوده الإقليمية والسياسية وهذا الموقف العربي هو الذي أغرى (إسرائيل) وغيرها بالعرب الذين تخلوا عن هوياتهم وانحاز الحكام لمصالح عروشهم حتى أوطانهم فليست مسؤوليتهم.