بمجرد أن صعد عبد الناصر الرابي على المنبر بعد أن رفع المؤذن أذان الجمعة الأولى من العام الجديد، وما هي إلا لحظات حتى فرقت أجهزة أمن السلطة المصلين بالغاز المسيل للدموع، بحجة حظرهم قرار منع التجمع، ضمن إجراءات منع تفشى فيروس كورونا.
ولم ترحم أجهزة أمن السلطة كبار السن والمرضى الصغار الذين حضروا لأداء صلاة الجمعة، في الساحة المقابلة لمسجد علي بن أبي طالب "مسجد السوق" في مدينة قلقيلية بالضفة الغربية المحتلة، فأطلقت عليهم قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع، واعتقلت عددًا منهم واعتدت بالضرب على آخرين، ما أدى إلى إصابتهم بجروح وكدمات.
وبدأت أحداث الواقعة، قبيل بدء شعائر خطبة الجمعة، بعد أن طلبت أجهزة أمن السلطة من "رابي" خطيب الجمعة، منع إقامة الصلاة بحجة منع تفشى الفيروس، إلا أن المصلين رفضوا القرار وأصروا على أداء الصلاة لاتخاذهم الإجراءات الوقائية، كارتداء الكمامة والتباعد الجسدي.
ويقول الرابي لصحيفة "فلسطين": "رغم محاولات إقناع السلطة بعدم التعرض لأحد، وأن المصلين سيغادرون المكان فور انتهاء الخطبة وأداء الصلاة التي لن تستغرق 10 دقائق، إلا أنهم قابلوها بالرفض، وسرعان ما بدؤوا بالاعتداء على المصلين".
ويلفت الرابي (50 عامًا) إلى أنه لولا إرادة الله عز وجل، وهرولة بعض المصلين الذين هبّوا لحمايته من قنابل الغاز، واعتداء أمن السلطة على المصلين، لفارق الحياة لكونه يعاني سرطان البروستاتا، وقد أجرى مؤخرًا عملية لاستئصال 20 سم من القولون، إلى جانب إصابته برعاش الأعصاب الذي أصيب به في إثر تلقيه ضربة على رأسه من أحد المحققين في سجون السلطة عام 2009.
والرابي، أسير محرر، أمضى في سجون الاحتلال الإسرائيلي 9 أعوام، واعتقل ما مجموعه عام ونصف العام في سجون أمن السلطة.
ترويع الأطفال
ولا يختلف الحال كثيرًا عن مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة، ويقول أحد المصلين، الذي فضّل عدم ذكر اسمه خشية اعتقاله: إن مشادات كلامية وقعت أمام باب مسجد حمزة بن عبد المطلب، قبل أن تتطور إلى مواجهات تخللها إطلاق أمن السلطة قنابل صوت وغاز، في محاولة لتفريق المصلين.
ويقول: "لم يراعِ أمن السلطة المساجد فداهمها، واعتدى على المصلين، وأطلق عليهم قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريقهم ودفعهم إلى مغادرة المسجد"، مؤكدًا أن عددًا من المصلين أصيبوا بجراح وبكدمات بسبب اعتداء أمن السلطة عليهم، في حين اعتُقِل عدد منهم بحجة مواجهة فيروس كورونا.
ويلفت إلى أنه تمكن من إخراج أطفاله من المسجد بصعوبة بالغة وهم في حالة خوف شديد، من جراء اعتداء الأمن على المصلين وإطلاق قنابل الغاز بكثافة في المكان، مبينًا أن المصلين التزموا كل إجراءات السلامة للوقاية من الفيروس.
وأفاد بأن أمن السلطة اعتقل عددًا من المصلين بالرغم من إصابتهم بجروح في الرأس، في إثر اعتدائه عليهم، داعيًا السلطة إلى إطلاق سراح جميع المعتقلين.
وأضاف: "أهكذا تتعامل أجهزة الأمن مع المصلين، تداهم المساجد وتطلق قنابل الغاز وتعتدي على حرمة بيت الله؟! في حين لم تفضَّ احتفالات ذكرى حركة فتح 56، أين رئيس السلطة ورئيس الوزراء مما يحدث؟!".
وأظهر مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي محاولات أمن السلطة قمع المصلين في مسجد حمزة بن عبد المطلب، ومسجد الشعراوي في مدينة الخليل، والمسجد الكبير في بلدة السيلة الحارثية غرب جنين، وفي بلدة حوسان غرب بيت لحم، وإطلاق رصاص وقنابل صوت وقنابل غاز مسيل للدموع، واعتقال عدد من المصلين.
السلطة تناقض إجراءاتها
من جهته يقول المحلل سياسي صلاح حميدة: إن إقامة حركة فتح والسلطة احتفالات الخميس الماضي، في الضفة الغربية بذكرى انطلاقتها الـ56، وعدم التزام الإجراءات الوقائية دفع المواطنين إلى إقامة صلاة الجمعة".
ويضيف حميدة لصحيفة "فلسطين": "ما دفع المواطنين إلى إقامة صلاة الجمعة هو سلوك السلطة التي أوقدت شعلة انطلاقتها بحضور العشرات في الضفة الغربية، فكان الأولى على السلطة أن تلتزم الإجراءات الوقائية لِتُلزم بعدها المواطنين".
ويكمل: "المطلوب أن يُتعامل بحكمة في التعاطي مع الجماهير، ويكون هناك قدوة في التعامل، فلا يمكن أن يطلب من المواطنين التزام منع التجمعات وتقام تجمعات أخرى دون التزام الإجراءات الوقائية.
ويشدد، قبل مطالبة المواطنين التزام الإجراءات الوقائية، على السلطة والأجهزة الأمنية أن تلتزمها، وتمنع التجمعات، ولا يقتصر الأمر على فئة دون الأخرى، مشددًا على ضرورة احترام مشاعر المواطنين وتوفير احتياجاتهم لا أن تعتدي عليهم وتفض تجمعاتهم بالقوة.

