يشير بيده إلى منطقة المرحات الواقعة شمال غرب سلفيت بالضفة الغربية المحتلة، وهو يقول: "انظر إلى هناك، كنا نجمع اللوز والخروب، وثمار الفقوس، ونفرح وقت حصاد القمح والشعير، والآن لا نجمع شيئًا سوى دموعنا وحسرتنا، فقد جاءت جرافات الاحتلال واقتلعت روحنا من أرضنا، حيث لم تبقَ أي شجر أو ثمر، وتركتنا نندب حظنا العاثر مع الاستيطان".
المزارع زياد زهد "أبو المعتز" (65 عامًا) من سلفيت، تكاد الدمعة تغالبه وهو يتحدث عن أمجاد أرضه، مضيفًا: "كان لنا كل شيء، وكنا مع صباح كل يوم نجمع ثمار الأرض، وسط زقزقة العصافير وأشعة الشمس، وأحيانًا كنا نحصل على العسل من بين الصخور، كل ذلك وأكثر منه أصبح من الماضي في ساعة واحدة، حين دهمت جرافات الاحتلال المكان وأتلفت كل شيء".
هذا حال المزارع "أبو المعتز" الذي فقد جزءًا كبيرًا من أرضه لصالح إقامة بؤرة استيطانية في منطقة الرأس لتوسعة مستوطنة "أريئيل" لاحقًا فيما يعرف بالخطة "ب" للمستوطنة التي قال عنها قادة الاحتلال إنها عاصمة ما يسمى بـ"السامرة".
"أيام الحصاد كأنها عرس خالص وسط البهجة والفرحة"، يصف "أبو المعتز" طقوس حصاد أرضه وذكرياتها الجميلة التي لا تفارق مخيلته، والتي يقول عنها إنها كانت أيامًا كلها جمال ومتعة وراحة نفسية وروحية.
ويردف: "الأرض وحقول الزيتون والأشجار كنت أعتني فيها منذ صغري كما أعتني بأحد أبنائي، أزرع الدونمات وأنا كلي فرحة عارمة، لكن للأسف كل التعب والسنين التهمته أسنة الجرافات بأقل من ساعة، فلم يتركوا لي سوى القليل الذي قمنا بإعادة زراعته".
وبرغم ما حصل لأرضه يبقى "أبو المعتز يحن لها، ويرفض تركها نهبًا للمستوطنين، مؤكدًا: "قارعنا الاستيطان ورفعنا شكاوى ضد سرقة ومصادرة أرضنا التي تعد بعشرات الدونمات لصالح الاستيطان، لكن دون جدوى".
ولا يكل ولا يمل "أبو المعتز" من الدفاع عن أرضه، فتراه في أول المدافعين عن الأراضي وأول المشاركين في المسيرات ضد جدار الفصل العنصري والاستيطان، عادًّا ذلك نوعًا من الجهاد ضد الاحتلال وانتهاكاته.
وعن الاعتراض على الاستيلاء على أرضه لدى محاكم الاحتلال، يقول: "إن كان غريمك القاضي لمن تشكي؟ أرفض التعويض فهو خيانة، فالأرض أعز من روحنا، وقطعة من جسدنا لا تباع ولا تشترى، وسنواصل زراعة الأرض حتى لو جرفوها مرات ومرات".
وتتفاقم معاناة المزارع "أبو المعتز" بدخول أرضه، وتزداد حسرته وهو يرى حقول الزيتون وهي تقلع وتجرف من المستوطنين لبناء المزيد من الوحدات الاستيطانية في "أريئيل" التي تعد ثاني أكبر مستوطنة في الضفة الغربية.
رئيس بلدية سلفيت عبد الكريم زبيدي، أكد أن البلدية ستواصل دعم المزارعين وتعزيز صمودهم، مشيرًا إلى أنها أعادت غرس ما اقتلعه الاحتلال لأبو المعتز وغيره من المزارعين.
ولفت زبيدي في حديث لصحيفة "فلسطين" إلى أن منطقة الراس والمرحات في سلفيت يخطط لها الاحتلال كي تتواصل مع مستوطنة "أريئيل"، وبذلك يتم بناء الشريط الاستيطاني الضخم ويفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها ووسطها.
ويوثق مركز أبحاث الأراضي "أريج" مضايقات الاحتلال للمزارعين في سلفيت، حيث صودرت آلاف الدونمات لصالح الاستيطان، وزرع فيها عشرات البوابات الحديدية على طول الجدار العنصري، مع منع المواطنين من دخول الأراضي قرب المصانع، ما يشكل معاناة متفاقمة للمزارعين.
وتشير الإحصائيات الفلسطينية إلى أن حالة المزارع "أبو المعتز" من سلفيت ليست الوحيدة، حيث يوجد مئات الحالات الأخرى في قرى وبلدات سلفيت، إذ إن الاحتلال يهدف من مصادرة الأراضي إلى إقامة شريط استيطاني يمتد من حاجز زعترة شرق سلفيت حتى الأراضي المحتلة عام 1948 عند راس العين وكفر قاسم.

