فلسطين أون لاين

الأزمات المالية والاقتصادية وتجربة التخطيط في عهد يوسف -عليه السلام-

يعيش الفلسطينيون كما هو حال كثير من البلدان أزمات مستعصية وركودًا اقتصاديًا شديدًا، مع فجوة هائلة بين الأغنياء والفقراء ومعدلات غير مسبوقة من البطالة، وتشتد هذه الأزمات من وقت لآخر رغم مضي سنوات طويلة على نشأتها وانتشارها وتحديدًا منذ قدوم السلطة الفلسطينية إلى سدة الحكم في الأراضي الفلسطينية، مما يدلل على عدم نجاعة السياسات أو الاستراتيجيات المعمول بها إن وجدت، ويبقى التساؤل قائمًا وملحًا وهو: كيف السبيل لتجاوز كل ذلك في ظل تردي الأوضاع الراهنة وانعكاساتها المباشرة وغير المباشرة على حركة النشاط الإنتاجي ومن ثم على المنتجين والمستهلكين على حد سواء، هذا دون تجاهل البعد السياسي والاحتلال الاسرائيلي والاوضاع العربية والاقليمية والدولية غير المواتية؟

إن تجربة التخطيط في عهد يوسف عليه السلام والتي مضى عليها أكثر من ثلاثة آلاف عام لجديرة بالاهتمام والدراسة والتأمل، ليس في هذا الوقت فقط وإنما على مدار الحياة الانتاجية والتي تعرض لها القرآن الكريم بشكل مفصل في نواح عديدة، والتي تدور حول خطة اقتصادية مستقبلية مدتها 15 عاما والتي تطرح السلوك والسياسات الواجب على الأمة اتباعها في حالات الرخاء والشدة، والتي بدأت برؤية في المنام لأحد ملوك ذلك العصر، هذه الرؤية شدت اهتمام الملك وأقلقت مضاجعه لغرابتها والتي تتعرض لقضية اقتصادية وانتاجية ومالية، حيث سعى لتفسيرها بمساعدة بطانته وأتباعه والمقربين الذين عجزوا عن استيعاب هذه الرؤية لغرابتها واعتبروها مجرد أحلام عابرة لا تستدعي الاهتمام. إلا أن غرابة هذه الرؤية ووضوحها جلية لدى الملك جعلته يوليها الاهتمام الشديد الذي تستحقه، حيث رأى الملك في منامه سبع بقرات سمان تأكلهن سبع بقرات عجاف، ثم سبع سنبلات خضر تأكلهن سبع عجاف، حيث يتساوى العدد هنا وهناك مع حالة متناقضة من حيث إن الضعيف يتغلب على القوي ويهزمه هزيمة ساحقة.

وقد جاء التفسير على يدي يوسف عليه السلام الذي شرح مكونات هذه الرؤية ووضح أن البلاد ستمر بسبع سنين من الرخاء المتواصل دون انقطاع يتلوها سبع سنين عجاف مقرونة بشدة شديدة، ولقد أكمل يوسف عليه السلام بقية الرؤية التي حجبت عن الملك وهي أن السنوات العجاف الأخيرة سيتلوها عام يمر بشكل طبيعي، وتسير فيه الحياة بعيدة عن المعاناة، بل يتحقق فائض من المحاصيل يمكن تخصيصه كخامات ومدخلات للصناعات الغذائية، وأبرزها عصر المحاصيل كالزيتون والعنب، وكان هذا التفسير مقنعا بشكل لا يعتريه أي شك بشأن دقة التفسير وقدرات يوسف على قيادة المرحلة ووضع السياسات الملائمة لها، وأمر بإحضاره لتكليفه بهذه المهمة الشاقة غير أن يوسف عليه السلام تحفظ على هذا التكليف لوجوده في السجن بتهمة هو بريء منها، ومن ثم طلب الملك التحقيق في الواقعة المنسوبة ليوسف عليه السلام، وحينما ظهرت الحقيقة وتبينت براءته وافق على قبول هذا المنصب.

وعليه بدأ يوسف عليه السلام يزاول مهامه، من حيث إعداد العدة والتخطيط لهذه المرحلة ووضع السياسات والإستراتيجيات الملائمة لها. وقد نجح يوسف عليه السلام من خلال التفكير المعمق في تحديد برنامج عمله، حيث يتعين على المجتمع تقنين استهلاكه خلال سنوات الرخاء السبع إلى أدنى حد ممكن. وهذا لا يكون إلا من خلال تفهم المجتمع تفهما كاملا لهذه الخطوة واستعدادهم لتنفيذها دون اعتراض أو ضجر. وبناء عليه يلزم تحقيق أعلى مستوى انتاجية ممكنة تساهم في تعظيم المدخرات وفائض الانتاج إلى أقصى درجة ممكنة، مما يشكل سلوكا غير مألوف وغير معتاد، بحيث يكفي المخزون الفائض والمدخر في تلبية احتياجات الأمة لسبع سنوات لاحقة متواصلة من الشدة، بترتيبات دقيقة تكفل الحفاظ على حياة الانسان والحيوان وتحقيق التوازن الحيوي طيلة هذه الفترة الطويلة، كما نجح يوسف عليه السلام في تلبية احتياجات البلدان المجاورة التي تعرضت بدورها لقحط شديد. أي أن السياسات التي اعتمدها يوسف عليه السلام تكاملت فيها منظومة النشاط الاقتصادي والحركة الانتاجية بدءا بتحديد الأهداف في صورة جداول زمنية محددة وتنفيذها بدقة متناهية في مواعيد محددة بشكل قاطع.

إن المتأمل في هذه التجربة ومتابعة مسارها والنتائج التي حققتها يستنتج أن ولي الأمر قادر على تجاوز أية صعاب مهما اشتدت حدتها وذلك بالتعاون الكامل والالتزام التام من جانب الأطقم المتميزة المحيطة به. ومن جانب أجهزة الاختصاص وعموم المواطنين.

إن هذه الرواية التي تحدث عنها القرآن ليست مجرد قصة تروى أو تاريخ يسجل، وإنما هي دعوة عامة لكافة الأمم للتعامل مع أية ضائقة أو كارثة مهما كان حجمها ودرجة اتساعها ومدى انتشارها، ومن باب أولى البلدان الإسلامية التي تتخذ من الإسلام دينا وعقيدة عملا وليس قولا، لكي تكون سباقة إلى فهم واستيعاب هذه التجربة وهاديا ومرشدا لها، دون التذرع بأن هذه الرؤية وتنفيذها خاصة بالأنبياء ولا يمكن أن تنسحب على بقية البشر.

أما الدروس والعبر التي يمكن استخلاصها فهي عديدة ولا يتسع المجال لعرضها أو مناقشتها في مقال عابر، إذ تحتاج إلى موسوعات لاستيعاب ما بها من عبر، إذ يجب أن تمثل هذه التجربة منهاج حياة دائمًا لأولي الأمر، ومن العبر التي يمكن استخلاصها:

إن حياة الرخاء غير دائمة وحياة الشدة كذلك غير دائمة، وأن ناموس الحياة هو الابتلاءات المستمرة على مستوى الأفراد وعلى مستوى الجماعات، ويمكن الاستشهاد بسيرة محمد عليه الصلاة والسلام في التحديات التي واجهته كحالة عزله في شعاب مكة لسنوات دون ماء أو طعام وسنوات الشدة في العهود اللاحقة.

إن على ولي الأمر أن ينشغل بقضايا مجتمعه وهمومه وأن يظل ساهرًا على مصالحه، وأن يعطي كل أمر ما يستحقه من اهتمام وهو ما فعله ملك مصر، إذا لم يترك رؤية ليلية أن تمر مرورًا عابرًا، بل مضى نحو جلاء غموضها أخذا في الحسبان مراعاة الحاضر والمستقبل.

ضرورة إجراء التحقيق النزيه في كافة الشكاوى التي تعرض على ولي الأمر لإظهار الحق وانصاف المظلومين، وإعمال النظام.

أهمية اختيار الرجل المناسب للموقع المناسب في الوقت المناسب، مع اعطائه كافة الصلاحيات التي تمكنه من القيام بعمله على أكمل وجه بما في ذلك اتقان العمل والترقي في هذا الاتقان إلى أقصى درجة ممكنة.

أن المكلف بالعمل يجب أن يكون منزهًا عن التهم والشبهات إذ رفض يوسف عليه السلام قبول المنصب المعروض عليه قبل أن يتم التحقيق في واقعة اتهامه واظهار الحقيقة مع أهمية تحديد وصف وظيفي دقيق للمنصب.

عدم حجب العلم أو المعرفة واحتكاره، فعلى من تتوفر لديه قدرات العمل أو القيادة المبدعة التي يحتاج إليها المجتمع، خاصة وأننا نعيش مرحلة مرض العصر الكوفيدي الذي يتطلب حشد كل الطاقات.

إن النشاط الزراعي بشقيه النباتي والحيواني هو عصب الحياة الاقتصادية والانتاجية، فهذا النشاط يوفر الغذاء الضروري للاحتياجات الادمية، سواء من مصادرها النباتية أو غير النباتية كما يوفر الغذاء للماشية ولجميع الكائنات الحية الأخرى، حيث تقوم الحيوانات بأدوار مهمة كالزينة وتنقل الانسان عليها وحمل الأثقال وحرث الأرض، كما تنتج اللحوم والألبان التي هي من أبرز مكونات غذاء الإنسان.

إنَّ هذا النشاط من أهم مدخلات التصنيع وخاصة الصناعات الغذائية كطحن الحبوب وعصر الأعناب والزيتون. ومن ثم تتوفر فرص عمل لا محدودة من النشاطين الزراعي والصناعي.

إن الحبوب لها قدرة كبيرة على التخزين والبقاء صالحة لسنوات طويلة وليس لموسم واحد أو موسمين، إذا روعي إنباتها الإنبات المناسب والتجهيز المناسب كاحتفاظ الحبوب بسنابلها التي تعتبر خير وسيلة لحمايتها من التلف وبالتالي الحفاظ على الأمن الغذائي لفترات طويلة نسبيا.

يشكل حصر المواد الاقتصادية المتاحة من وقت لآخر أهمية كبيرة لأغراض الاستفادة العظمى منها بدلا من إهدارها بلا مبرر، ويشمل ذلك المخزون أو الأرصدة من مختلف السلع خاصة الحبوب والمياه الصالحة للشرب وتلك الصالحة للري، اضافة إلى أشكال المقالع الأخرى والمعادن والنفط بما في ذلك العنصر البشري المنتج والمستهلك.

يشكل حصر السكان أهمية بالغة من حيث التعداد ومعدلات النمو والتصنيفات الأخرى كالنوع والسن والتوزيع الجغرافي ومستويات التعليم، حيث يشكل السكان مصدر الطلب على السلع في الأسواق اضافة إلى الداخلين في قوة العمل والمتعطلين حتى يسهل التعامل معهم.

الاعتماد على الذات بشكل كامل دون حاجة للاعتماد على الغير بأي صورة كانت في منح أو غيرها أو الاستدانة منهم لأغراض استهلاكية وذلك بتعظيم الانتاج إلى أقصى حد ممكن لتحقيق الاكتفاء الذاتي ولا يتناقض هذا مع أهمية وحرية التعاون الاقتصادي الدولي بيعا وشراء استيرادا وتصديرا.

ضرورة استشراف المستقبل بحيث لا يقتصر الاهتمام على الأوضاع الراهنة بل يستلزم وضع سيناريوهات مختلفة لسنوات طويلة تتناسب مع حصر كل الاحتمالات المتوقعة والمفاجئة.

إن اجتياز 15 عاما لدورة اقتصادية شديدة الاتساع والعمق لا بد أن تكون خاضعة لأنظمة صارمة ودقيقة خاصة وأنها تجمع بين تقنين الاستهلاك وتعظيم المدخرات في ظل وفرة انتاج.

إن الأنظمة الصارمة والدقيقة تحول دون حدوث انحرافات أو استغلال للمنصب أو الاعتداء على المال العام أو انتشار الفساد.

ان الأرصدة الاحتياطية من المخزون السلعي بما فيها المخزون المائي يجب أن تغطي الاحتياجات الآدمية من السكان واحتياجات الثروة الحيوانية واحتياجات الثروة النباتية على مدار الحياة الانتاجية في منظومة متكاملة.

إن المخزون من مختلف الاحتياجات الآدمية وغير الآدمية حسب هذه التجربة سمح بتلبية احتياجات البلاد المجاورة التي أصابها القحط كحالة أبناء يعقوب الذي عاشوا في فلسطين ولم يمتنع يوسف عن مبادلتهم حتى بمقابل زهيد، أي أن التخطيط المبدع يسمح بتحقيق فائض يمكن توجيهه للغير ممن تشتد حاجتهم إليه.