فلسطين أون لاين

بفعل توقف محطات معالجة مياه الصرف الصحي عن العمل

تقرير البعوض والروائح الكريهة تلاحق المواطنين بغزة مع تفاقم أزمة الكهرباء

...
وادي غزة المجاور لمحطة التوليد ... تصوير/ ياسر فتحي
غزة/ أدهم الشريف

يحرص الأكاديمي بسام العف من سكان الشيخ عجلين، المنطقة التي تحتضن أحواض مخصصة لمعالجة مياه الصرف الصحي، جنوبي مدينة غزة، على إغلاق نوافذ منزله لتفادي الروائح الكريهة المنبعثة منها.

ويضطر العف للقيام بهذا الإجراء رغم الحر الشديد لساعات طويلة يوميًا، بسبب انتشار حشرة البعوض والرائحة الكريهة الصادرة عن مياه الصرف الصحي، إذ إنّ تفاقم أزمة الكهرباء انعكست سلباً على عمل محطات المعالجة.

وتنتشر أحواض معالجة مياه الصرف الصحي في محافظات قطاع غزة البالغ مساحته 365 كيلومترًا مربعًا، ويزيد تعداد سكانه عن مليوني نسمة.

وتخضع مياه الصرف الصحي لعملية معالجة في المحطات يعدّ فيها التيار الكهربائي عاملاً أساسيًا في تشغيل المحطة، لكن تفاقم أزمة الكهرباء بغزة سيحول دون تنقية المياه العادمة.

وإن كان العف لا يجد سبيلاً آخر لمنع الرائحة النفاثة من التسلل لمنزله سوى إغلاق النوافذ، فهو بذلك يواجه مشكلة أخرى تتمثل بارتفاع حرارة الصيف نسبيًا هذا العام.

ومحطات المعالجة هي المسؤولة عن تنقية المياه قبل تصريف جزء كبير منها إلى بحر غزة عبر مضخات ومصبات لها منتشرة على ساحل القطاع، امتدادًا من شماله حتى جنوبه، بطول 40 كيلو مترًا.

وقال العف لـ"فلسطين": "إن الرائحة التي تصدر من محطات المعالجة نفاثة وكريهة جدًا، ونعاني من روائحها والحشرات التي تنتشر خلال فترة الصيف أكثر من الشتاء".

وفي مدينة غزة -الأكثر اكتظاظًا بالسكان من بين محافظات القطاع الخمس بتعداد يقارب 800 ألف نسمة- 8 محطات معالجة مياه صرف صحي، وتستقبل جميعها قرابة ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يوميًا، وفق دائرة الصرف الصحي في البلدية.

وبحسب دائرة الصرف، فإنَّ تجميعَ مياه الصرف الصحي يتم من خلال شبكة طولها 550 كيلو متر موزعة على مساحة المدينة، وتضخ المياه إلى محطة المعالجة الرئيسية في منطقة الشيخ عجلين جنوب غرب المدينة، والتي بدورها تنقيها وتحوّل جزءًا منها للبحر والجزء الآخر يتم تنقيته باستخدام المرشح الرملي ويستخدمه المزارعون في المنطقة المحيطة للمحطة.

لكن مع تفاقم أزمة الكهرباء، فإن محطات المعالجة لن تؤدي دورها، وسط مخاوف من أن يترك ذلك تداعيات بيئية خطيرة.

في غضون ذلك، أكد أستاذ علوم المياه والبيئة في جامعة الأزهر د. أحمد حلس، أن أزمة الكهرباء الحالية ستعقد المسألة أكثر في محطات المعالجة، مبينًا أن غياب الكهرباء يعني توقف مضخات الرفع، وأيضًا توقف مراوح التهوية التي تمنح البرك والأحواض الأكسجين اللازم لهضم المادة العضوية.

وأبدى د. حلس في تصريح لـ"فلسطين"، خشيته من تعطل مضخات الرفع في المناطق والقرى والمدن المنخفضة بقطاع غزة، جراء أزمة الكهرباء الأمر الذي يمكن ان يجعل المياه العادمة تتدفق في بيوت المواطنين.

وأضاف: نقل مياه الصرف الصحي من منطقة إلى أخرى يحتاج إلى كهرباء وهذا يحتاج إلى وقود.

ورغم أن وصل التيار الكهرباء شهد تحسنًا طفيفًا في الفترة الأخيرة وأتاح ذلك الفرصة للمحطات بالقيام بعملية معالجة المياه العادمة، إلا أن حلس رأى في المياه التي تصرف إلى البحر أنها "دون الحد الأدنى من المعايير الدولية والقوانين والضوابط التي تضبط جودة هذه المياه".

وبين أن محطات المعالجة تضخ أكثر من 120 ألف متر مكعب من المياه العادمة يوميًا تجاه البحر بكل ما فيها من تلوث كيميائي وفيزيائي وحيوي قادم من المدن والقرى والأحياء والقطاعات الصحية والمنزلية والصناعية.

وأكمل: "درسنا التربة والمياه والمناطق الرطبة على الساحل وفحصناها في المختبرات مرارًا وتكرارًا ووجدنا فيها طفيليات ممرضة معدية مصدرها البراز، وتصل من منازل المواطنين إلى محطات المعالجة التي تفتقد جميعها القدرة على معالجة الملوثات البيولوجية والميكروبية".

ونبَّه إلى عدم وجود تطهير ومحاربة ومكافحة للبكتيريا والفيروسات والطفيليات للأسف لأكثر من سبب، أبزرها: غياب التطوير الإستراتيجي للمحطات التي بنيت لاستقبال كمية معينة واليوم يصلها أضعاف مضاعفة ما بنيت من أجله، والقصف الإسرائيلي والتخريب الذي تتعرض له جراء ذلك، إضافة إلى النمو السكاني والذي يعد الشبح الذي يطارد مشاريع التطوير والتنمية في القطاع.

وبين أنه لن يتمكن أحد من تشغيل محطات المعالجة من خلال المولدات الخاصة بها، لتعويض الفاقد الكهربائي، وهذا سيؤدي إلى تصريف مياه عادمة شبه خام إلى البحر لترفع من كثافة التلوث وتركيزه من المناطق الشاطئية المتاخمة للمدن.

وقال: إن التلوث في البحر سينعكس على المصطافين مباشرة وخاصة فئة الأطفال ذوي المناعة الضعيفة، وكبار السن، والأمهات الحوامل وأصحاب الأمراض المزمنة.

كانت بلديات غزة واللجنة الشعبية لمواجهة الحصار حذروا من "آثار كارثية" يمكن أن يتسبب بها توقف محطة توليد الكهرباء عن العمل جراء منع سلطات الاحتلال توريد الوقود اللازم لها.

وأكدت البلديات أنّ توقف التيار الكهربائي سيؤثر في الخدمات الحيوية والأساسية التي تقدمها للمواطنين، في ظل أوضاع اقتصادية ومالية صعبة تواجهها البلديات منذ سنوات عدّة.

وأوضح مسؤول العلاقات العامة في بلدية غزة حسين عودة، أن البلدية في الوضع الطبيعي تستهلك من 100-150 ألف لتر من السولار شهرياً لتغطية النقص في التيار الكهربائي وفي ظل جدول الكهرباء 8 ساعات وصل و8 قطع.

وأضاف عودة في تصريح سابق لصحيفة "فلسطين": "في ظل الحديث عن انقطاع مستمر لخدمة التيار الكهربائي، فإنّ هذا يعني ازدياد احتياج البلدية إلى 250 ألف لتر من السولار لتعمل في الحد الأدنى على تقديم خدمات المياه والصرف الصحي وغيرها من الخدمات".

وأكد أن ذلك يتطلب من بلدية غزة توفير مليون ونصف المليون شيكل، لكن ليس باستطاعتها.