فلسطين أون لاين

كريمة بشارات.. وحيدة تجابه هدم آليات الاحتلال للأغوار

...
كريمة بشارات
غزة- يحيى اليعقوبي

تحت لهيب شمس الأغوار الفلسطينية تكابد كريمة بشارات (56 عاما) وحيدةً مشقة الحياة وصعوبتها -بعد وفاة والديها- وتعيش في خيمة بعيدًا عن صخب المدن، لكنها ليست بعيدة عن عيون الاحتلال الإسرائيلي الذي سلَّمها قبل أسبوعين إخطارًا بإزالة بيتها بحجة بنائه في منطقة "أثرية".

أمر الإخطار ليس مجرد هدم غرفة من نايلون وقماش وحظيرة أغنام، بقدر ما هو هدم للذكريات والوجود، تقول: "في هذا المكان ولدتُ قبل خمسين سنة وفيه كبرت ذكرياتنا، فقد شيّده أجدادي منذ أكثر من 80 عاما على أرض مملوكة ملكية خاصة".

وتعيش "كريمة" في خربة "حمص" وحيدةً أسفل معسكر احتلالي، تحت سقف خيمة من قماش وبجوارها حظيرة أغنام، وبعض خزانات المياه وأشجار، وبجانبها حمامات زراعية لفلسطينيين في الخربة يتشبثون بأرضهم أمام عاصفة الضم.

"ما فش عندي حدا لا أخو ولا أبو ولا حدا؛ وهذا السكن ورثته عنهم".. عبر الخط الهاتفي تخرج تلك الكلمات المقهورة من حنجرة "كريمة"، ثم تتساءل: "ليش بدهم يهدوا بيتي وين بدي أروح أنا؟".

ولا تتخيل بشارات أنها ستأتي اللحظة التي تفارق هذا المكان الذي تربت وعاشت فيه، فهي ترفض حتى فكرة الذهاب إلى موطن عائلة بشارات في بلدة "طمون" قضاء جنين، معللة: "هنا أعيش بكرامتي، في بيتي أرعى الأغنام وأشرب من حليبها، وحينما أذهب إلى البلدة سأبقى أنتظر صدقات الناس".

وتسرح "كريمة" كل يوم لرعي الأغنام بين الأشجار والمزروعات والجبال، لمدة ساعتين، ثم تعود إلى الخيمة وتعاود الكَرّة عصرًا لمدة ساعتين أخرى، لكن هذه العملية ليست سهلة، فكثيرًا ما توقفها قوات الاحتلال وتصادر أغنامها، وتنغص عليها حياتها اليومية، وتجبرها على الانتظار لعدة ساعات حتى تستعيدها، وتتعرض كذلك لمضايقات المستوطنين.

"يحاولون إخافتي ويوجد لصوص في المنطقة (...)"، ورغم كل ذلك تتشبث بشارات بأرضها التي ورثتها عن والديها، لا تُهزم أمام إجراءات الاحتلال.

وأقام جيش الاحتلال معسكرًا لقواته مطلع الثمانينيات على مقربة من المساكن المهددة بالهدم في خربة "حمصة بصلية" أطلق عليه اسم معسكر "ترستيا"، قبل أن تخليه مطلع شهر آب/ أغسطس عام 2018، وسرعان ما بدأت مجموعات من المستوطنين بنقل غرف معدنية متنقلة وضعوها داخل المعسكر في خطوة نحو تحويل الطابع العسكري إلى مستوطنة تدعمها حكومة الاحتلال دعمًا مطلقًا.

وساهم المعسكر في منظومة التضييق على المزارعين ومربّي الماشية، حيث يتربع على مساحة تزيد على 45 دونمًا، ويحتوي على شبكات رادار وأبراج مراقبة، قبل تسليمه إلى ما يعرف بمجلس المستوطنات في غور الأردن ليتم تغيير معالم المعسكر عبر إحضار عدد من البيوت المتنقلة والشروع في إنشاء مستوطنة جديدة هناك.

وتقول "كريمة": "نحن هنا قبل هؤلاء المستوطنين، لكننا لا نسلم من اعتداءاتهم".

ثم تتساءل بحرقة أمام تهديد الاحتلال: "يحمّلني طاقة فوق طاقتي، فأين سأذهب؟"، ورغم تشبثها في أرضها فإنها تستغرب عدم زيارة أي مسؤول فلسطيني للخربة لدعم صمودها.

وردّت على سؤالنا ماذا ستفعل إن نفّذ الاحتلال الهدم؟ أكّدت أنها لن تغادر المنطقة حتى لو جلست وعاشت تحت أشعة الشمس، مضيفةً: "سأبقى متشبثة في أرضي (..) لقد أمضيت عمرًا في هذا المكان، ولي فيه ذكريات كثيرة مع والدي، فلا أستطيع العيش في أي مكان آخر".

اليوم ينصّب الاحتلال نفسه حارسًا على الآثار ويمنع البناء هناك أو حتى أعمال الرعي فيها، وفي الوقت نفسه يُعد شريكًا للمستوطنين في سرقة الآثار وتهويدها وتزويرها لصناعة تاريخ مزيف له على الأرض الفلسطينية.