"فلسطين" تبحث في الأسباب والعواقب وتقدم الحلول

"إدمان" الهواتف الذكية .. رجال يغرقون في مستنقع افتراضي

بالنسبة لبعض الرجال الهاتف المحمول أصبح كل شيء في حياتهم، ينعزلون فيه عن عالمهم حتى أولادهم، تجد الواحد منهم يبتسم للهاتف، يضحك، يتفاعل بمفرده واضعًا سماعتي الهاتف على أذنيه ضاربًا عرض الحائط باهتمامات المحيطين به، تمر ساعة وساعتان وضعفها، دون أن ينتبه لمرور الوقت، دون أن يدرك أن هناك أطفالًا ينتظرون تفرغه لهم، أو زوجة تنتظر جلوسه معها ليخبرها عن يومه وتخبره عن اهتماماتها، تتجمد العلاقة العاطفية بينهما، تذهب نحو الفتور.

وصل الأمر لدى بعض إلى مرحلة "الإدمان" حتى أنك لا تجده يترك الهاتف من يده طوال الوقت كمغناطيس لا ينفك عنه، في معظم الحالات يكون هذا الانشغال في أمور غير مفيدة، يقضي وقته في مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي دون تحديد وقت لذلك، أو خوض غمار ألعاب تحمل مخاطر كبيرة.

 صحيفة "فلسطين" عبر هذا التقرير تطرق ملف إدمان رجال على الاستخدام الهاتف بإفراط، وتبحث في أسبابه وعواقبه الأسرية والحلول الممكنة له.

 

                            

الهاتف "ضرة" جديدة تسرق أحلام الزوجات

أحلام: زوجي لا يسمح لي بالحديث معه لاندماجه في اللعبة

إسراء طلبت الطلاق نتيجة إهمال زوجها لها وإفراطه باستخدام الهاتف

"أعملك عشا؟" تحاول أحلام (اسم مستعار) إخراج زوجها من عزلته عنها، بعد مرور نحو ساعة في لعب "ببجي"، في زحمة انشغاله أشار بيده نحوها طالبًا منها الابتعاد عنه وعيناه على الهاتف، بصوت غاضب: "ما تحكي معي، بلعب مش فاضي".

أحلام وغيرها من النساء المتزوجات يعانين إدمان أزواجهن الهاتف والألعاب، فلا يجدن الوقت للجلوس مع أزواجهن، وبات الهاتف يمثل "ضرة" سرقت أزواجهن منهم.

أفصحت أحلام التي اشترطت عدم ذكر اسمها الحقيقي عما يعتمل صدرها من ألم من هذا الموضوع، وربما تعاني مثلها كثيرات، تقول لصحيفة "فلسطين": "حينما يستمر زوجي باللعب ضمن فريق أو مع أشقائه وأولادهم يمكث وقتًا كبيرًا؛ فلا أجد فرصة للجلوس معه، لا يسمح لي بالحديث معه لأنه مندمج جدًّا في اللعبة، وأحيانًا يسهر حتى ساعات متأخرة ويزعجني بصوت الصراخ واللعبة".

"روتين قاتل"

تحدثك هذه السيدة عن تأثير ذلك على حياتها: "زادت عصبية زوجي، يسرق وقتنا، حتى إنه لا يريح نفسه، ولا ينتبه لأكله وعمله واحتياجات البيت".

"معك ربع ساعة تكون مخلص، بدي أجهز الأكل" لم تفلح حيل أحلام في إخراج زوجها من عالمه بذلك التهديد، فتطهو الأكل ولا يأتي زوجها لتناول الغداء، وتضطر إلى انتظاره حتى ينتهي من اللعب وتعيد تسخينه.

أصبح روتين الحياة في هذا البيت، كما تعترف، قاتلًا للعلاقة الزوجية بينهما، غداء ولعب فقط، لا حوار بينهما، لا جلوس لمشاهدة برنامج متلفز ما، أو قراءة كتاب أو تصفح موقع معًا، وليس زوجها الوحيد الذي يعاني من دائرتها المقربة، بل شقيقها أيضًا غارق في العالم ذاته.

بلهجة عامية تقول: "أخي ما بشتغل وطول وقته على الألعاب مستقبله ضايع، ولما آجي أحكيله: روح اشتغل، بحكيلي: دورت وفش شغل بالبلد".

"الهاتف يمثل لي دمارًا، أحيانًا أتمنى لو أنها لم تصنع على فوائدها؛ فسلبياتها أكثر من إيجابياتها، خصوصًا أنه كل يوم يخرج لك شيء جديد يدمر هؤلاء الشباب والمجتمع، خاصة مع البطالة السائدة".

إدمان فوق الوصف

"كأن زوجي الآن جواله مرته، لو في مرحلة أكبر من الإدمان كان وصفتها" تختصر إسراء (اسم مستعار) وصف علاقة زوجها بهاتفه بتلك الكلمات التي قالتها بسخرية، تقول: "زوجي مدمن الهاتف بطريقة ليست عادية حتى أنه يصطحبه معه إلى دورة المياه، أثر ذلك في نظره الذي ضعف، وأجريت له عملية في عينيه ومنعه الطبيب من استخدام الهاتف، ولم يمر سوى أسبوع على تلك العملية حتى عاد للهاتف".

"أنا مش مقصرة معه، وصرت أحرد عشان يحس فيّ وبقيمة الأولاد، لكن على الفاضي"، كل محاولات إسراء لم تغير قناعة زوجها.

تسألها عن تأثير ذلك على علاقتهما؟ تجيب وتبدو حزينة على هذا الحال: "علاقتنا أصبحت جافة، تجمدت مشاعره وافتقد الإحساس، حتى إنه أصبح ينام فوق سطح المنزل ليهرب من خوفي عليه ونصحي الدائم له: (ريح حالك من الجوال ونام)".

"زوجي مدمن استخدام الألعاب، كل لعبة جديدة يحملها، حتى إنه يفتعل المشاكل، لو انخفضت سرعة الإنترنت يمنعنا من التصفح وفتح اليوتيوب للأطفال، يحب السهر وحده في الليل ويشترط عدم إزعاجه".

ابتسامة تهكم: "ما دام بيلعب عارفين ممنوع حدا يكلمه".

تدلل على حجم إدمان زوجها بقصة حدثت داخل البيت، فتقول: "سقطت ابنتي على الدرج وسالت الدماء من رأسها، وكانت تبكي وتصرخ، فكنت أنادي عليه، تفاجأت أنه كان يلتقط صورًا لها وهي في هذه الحالة لنشرها في مواقع التواصل، قبل أن يأخذها إلى المشفى".

تعترف: "طلبت الطلاق منه نتيجة الإهمال الكبير ولتركه مع الهاتف".

هل كان هكذا سابقًا؟ تعود إلى بداية الزواج، واصفة إياه بلهجة عامية: "أول ما تجوزت كان ما أحسنه، بس من يوم ما مسك الجوال بدا يطنشنا".

تزيد: "حاولت مرارًا معرفة فيمَ يضيع وقته، حتى أستطيع إيجاد حل ما، لكنه كان يضع الهاتف بقربه عند النوم ويغلقه بكلمة مرور".

كانت نتيجة هذه العلاقة مأسوية، تطلقت إسراء، التي فضلت عدم الكشف عن اسمها الحقيقي، من زوجها، وانتهت علاقتهما بسبب هاتف.

 

 

"إدمان الهواتف" يجعل وجود الرجل "وعدمه واحدًا"

أبو عيشة: ينتج عن الإدمان تفكك أسري ويقود لطلاق عاطفي والحلول ممكنة

خبير تقني: الألعاب تصمم بعد دراسة سلوكيات المستخدمين وتسبب حالة انطواء وعزلة

تحتوي أجهزة الهواتف الذكية على أشياء مفيدة، وهي صممت لتوفير الوقت والجهد على المستخدمين، يمكن عبرها الاطلاع على ثقافات أخرى عديدة، والتعلم عن بعد، والانخراط في دورات وورش عمل إلكترونية، وتعلم الرسم وتطوير المواهب، لكن في حال دخول الرجل أو الشخص في مرحلة الإدمان لا يعود يعنيه كيف يطور ذاته، ويدخل في مرحلة يعيش فيها فجوة بينه وبين الناس، خاصة بيئته المحيطة وأسرته، وقد يقوده الأمر إلى "الطلاق العاطفي" مع زوجته.

في المقابل تجد الزوجة أو الأسرة قد تأقلمت على الوضع الجديد وتركت زوجها في حاله بعدما فشلت في استرجاعه من ذلك العالم، ما يؤثر على وجوده وأثره في المنزل وكأن "وجود وعدمه واحد".

فراغ وأسباب

أسباب الوصول لحالة الإدمان عديدة من وجهة نظر المختصة التربوية والأسرية ليلى أبو عيشة، أولها الفراغ الذي يعيشه الرجل، ربما يعتقد أن زوجته لا تهتم به، أو أسباب أخرى تتعلق ببريق الأشياء المحببة عبر العالم الافتراضي، وحبه للمجهول والأشياء الجديدة والمستحدثة التي تضفي جوًّا من البهجة لا يعيشه داخل أسرته.

السبب الثاني، كما تتحدث أبو عيشة لصحيفة "فلسطين"، الظروف الاقتصادية التي يمر بها الشعب الفلسطيني حاليًّا، لأنها تجعله يهرب من الواقع حالمًا بجو أفضل من الضغوطات النفسية التي يعيشها، آملًا أن يغيرها العالم الافتراضي، وهو ينسى أن تمسكه بالأجهزة الزكية يستهلك وقتًا كبيرًا.

تحدد الوقت المخصص لتصفح الهاتف للإنسان البالغ خلال 24 ساعة ألا يزيد على أربع ساعت فقط، وأن أكثر من ذلك يدخل الإنسان في مرحلة الإدمان، أما الأطفال من سن عامين حتى 12 عامًا فساعة واحدة تكفي لهذه المرحلة.

عواقب هذا الإدمان على الأسرة تلخصها أبو عيشة: "ينتج عنه مشاكل وتفكك أسري، وعلى نطاق تنشئة الطفل من طريق "التعليم بالقدوة" سيقلد الأطفال الأب، سيكون وجود الأب بالبيت مجرد "ممول"، ويحدث تباعد بين الزوج والزوجة، ويصبح هناك "طلاق عاطفي"، وجلوسه مع زوجته في نظره يؤدي إلى "الملل" لأنه سلم نفسه لعالم افتراضي".

و"الطلاق العاطفي" -وفقًا لإفادة أبو عيشة- هو أن يعيش الزوجان معًا كلٌّ يؤدي مسؤولياته الأسرية، بلا مشاعر ولا مودة أو جو من الترابط الأسري.

حلول ممكنة

تقدم المختصة التربوية والأسرية عدة حلول لإدمان الهاتف، وهي كلها بيد الرجل، أولها أن يغير قناعته عن الصورة التي يريدها لزوجته، فبعض الرجال يريد أن تبقى زوجته تلك التي كانت يوم الزفاف، وينسى أن عامل الزمن يمر عليها ويقلل من منسوب جمالها، وأن يعود لأسرته ويهتم بهم ويعطي فرصة أكبر لهم ويتفكر بجمال العلاقة الاجتماعية التي تربطه بهم، وأن الأسرة هي الملاذ الوحيد للهدوء النفسي الذي يبحث عنه بعدما يعارك الحياة في العمل.

وتقول: "يجب أن يكون هناك تقدير من الرجل لأفراد أسرته، وأن الزوجة هي شريك نجاح عجلة الحياة في الأسرة، فلا بد من الاهتمام المتبادل بين الطرفين، كما أن الزوجة يجب أن تهتم بزوجها وتتعامل بالحداثة التي يبحث عنها من المظهر والشكل".

لا بد أن يشغل الزوج -وفقًا لحديث أبو عيشة- نفسه بأنشطة رياضية وزيارة أماكن زراعية ويقضي وقتًا مميزًا في الأرض، ويمارس أنشطة كان يحبها في طفولته، إذا كان لديه هوايات منذ الطفولة: رسم، أو رياضة، أو حرفة معينة، ويحافظ على الزيارات الاجتماعية، ومساعدة زوجته في أعمال المنزل، وتوزيع المهام على الأولاد كذلك.

تنصح بأن يتقرب الرجل من أبنائه وأن يلعب معهم، ما يجعل الطفل يشعر بقيمته بأن والده يحبه، وأيضًا أن يفتح باب الحوار والمناقشة مع الزوجة.

برمجة الأجهزة

لكن المختص التقني م. أشرف مشتهى يبين أن معظم الأجهزة الذكية صممت حتى تقرب البعيد وتوفر على الناس الوقت والجهد، وتخلق بيئة جديدة وواقعًا افتراضيًّا ربما يكون خاليًا من المشاعر والأحاسيس الحقيقية، وتفتح الإنسان على العالم وعلى ثقافات وأفكار مختلفة، بذلك تؤدي بالفرد إلى حب الفضول ومشاهدة أشياء جديدة.

يقول مشتهى لصحيفة "فلسطين": "إن كثيرًا من التقنيات تلامس حاجات المستخدمين، لكن المشكلة أن هذه التقنيات تجمل الأشياء وتظهرها على غير الواقع، لذا زادت نسب الطلاق، وأدت إلى الانفصال عن الواقع، الأب في وادٍ آخر بعيدًا عن أطفاله، يعيش في واقع غير حقيقي، لكن هذا الواقع يلبي رغبات أناس يفتقرون لها في حياتهم الحقيقية".

ويضيف: "قبل نحو 20 سنة كانت الألعاب عبارة عن تحد بين اللاعب والجهاز، فكان الشخص يواجه الحاسوب، اليوم اختلفت الأمور ولا يوجد لعبة تبرمج وتصمم إلا بعدما يدرس مصمموها سلوكيات المستخدمين في التعاطي معها وانفعالاتهم، وهناك ألعاب تنمي مهارة التفكير وتكون مفيدة".

الألعاب -وفقًا لحديث مشتهى- تلامس عنصر التحدي للمستخدم، وهناك ألعاب جماعية تحمل مخاطر كبيرة، لكونها أولًا مضيعة للوقت، ولا يوجد أي قيمة حقيقية يمكن إنجازها باللعب فيها، فالهدف يكون قتل الآخرين لأجل الفوز، فضلًا عن ظهور سلوكيات عدوانية للمستخدم مثل الطمع والجشع، شيئًا فشيئًا وهو لا يدري، وحالة انطواء وعزلة عن العالم الحقيقي إذ ينقطع اتصاله  بالعالم المحيط، ويفقد مهارة الاتصال والتواصل.

ويتابع: "سيظهر الإدمان في طبيعة سلوكه وعلاقاته مع الآخرين، وحالة من الانطواء ستؤدي إلى ظهور أمراض عضوية مختلفة مثل "البدانة"، وآلام في الظهر، وتأثر التفكير، ومشاكل بالنظر بسبب انبعاث الأشعة من الهاتف، وهناك حالات وفاة نتيجة أمراض بعض الألعاب التي أوصلت بعض الناس إلى الانتحار، فضلًا عن إشغاله عن عمله".

الحلول -تبعًا لكلام مشتهى- أولها أن يكون لدى الشخص عزيمة للتخلص من هذه المشكلة، الأمر الثاني متعلق بالأجهزة الذكية نفسها، فيستطيع تحديد المدة الزمنية التي سيقضيها على التطبيقات مثل (فيس بوك) طوال اليوم من طريق برمجيات الجهاز، مثلًا: حينما يحدد ساعة يغلق الجهاز التطبيق بعد نفاد الوقت المحدد، ويكون قد استعان بالجهاز نفسه لمقاومة استنزاف الوقت.

 

المصدر / فلسطين أون لاين