تقليص الرواتب.. عقاب أم اضطرار؟

لا يعد دواء ما كانت آثاره الجانبية السلبية أكثر من نفعه، فهو أقرب إلى السم منه إلى الدواء، ولذلك لست مقتنعًا أن يكون خصم 30% من رواتب موظفي السلطة في قطاع غزة هو عقاب من جانب السلطة ضد قطاع غزة وإن ألمح إلى ذلك المتحدث باسم حكومة رامي الحمد الله والقيادي في فتح جمال محيسن وغيرهما. ولو كان الأمر كذلك لما انتظرت السلطة عشر سنوات لتعاقب غزة بهذه الطريقة.


منظمة التحرير الفلسطينية تدرك أن شعبيتها في الخارج تدهورت بشكل غير مسبوق بعد موافقتها على حل قضية اللاجئين باتفاق مع دولة الاحتلال، ولذلك لا يمكنها المخاطرة بخسارة شعبيتها في قطاع غزة وخاصة أنها لا تمتلك أكثر من 38% من تأييد في أراضي السلطة الفلسطينية، فإذا هي خسرت التأييد في غزة فإن المنظمة وبالتالي السلطة ستفقد حاضنتها في الداخل والخارج، ولذلك لم يستطع الرئيس المخاطرة بحرمان موظفي السلطة في غزة من رواتبهم مع بداية الانقسام، فكيف سيقدم على مثل هذه الخطوة في وقت تشهد فيه حركة فتح انقساما داخليا خطيرا، وقد يستغل خصوم الرئيس قرار قطع الرواتب في تعزيز موقفهم.


السلطة الفلسطينية الآن أمام خيارين أحلاهما مر، فإما أن ترضخ لمطالب الاتحاد الأوروبي الذي رفض الاستمرار في تقديم الدعم لموظفي قطاع غزة فتزيد بالتدريج نسبة القضم من الرواتب وإما ترفض القرار، فإن هي اختارت تنفيذ سياسة الاتحاد الأوروبي فإنها ستخسر شعبيتها وحاضنتها في الداخل الفلسطيني وبذلك لن تصمد في أية انتخابات قادمة، وقد تتعرض إلى ضغوط من داخل حركة فتح لن تكون قادرة على تحملها، وإن هي اختارت المحافظة على بنية حركة فتح وتماسك فصائل منظمة التحرير ستخسر الدعم المالي الأوروبي وقد تخسر أيضا دعمها السياسي "على شُحّه"، ولكنني أعتقد أن الخيار الآخر هو الأنسب بالنسبة للسلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية وحتى بالنسبة للشعب الفلسطيني ككل، ولذلك وبعد ردود الفعل التي شهدناها من جانب المتضررين فإنني أعتقد أن السلطة سوف تتراجع قريبا عن قرار قطع جزء من رواتب الموظفين في قطاع غزة، إن لم يكن ذلك في الأيام القادمة فإنه لن يستمر حتى نهاية الشهر الجاري والله أعلم.