تشهد أسواق الضفة الغربية حالة من التراجع الاقتصادي الحاد وغير المسبوق، في وقت كان التجار يعوّلون فيه على الأيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان لإنعاش حركة البيع استعداداً لموسم عيد الفطر. إلا أن الواقع في الأسواق يعكس حالة ركود شديدة نتيجة الأوضاع السياسية المعقدة، والإغلاقات الإسرائيلية الممنهجة التي قطعت أوصال المحافظات الفلسطينية.
يقول تاجر الملابس، سمير شحرور، إنه استورد شحنات ملابس من الصين قبل تصاعد التوترات الإقليمية، وكان يأمل بيعها بأسعار معتدلة تضمن له هامش ربح بسيطا، إذ كان يخطط لبيع البنطال الواحد بنحو 80 شيكلاً.
وأضاف لـ "فلسطين أون لاين" أن ضعف الإقبال اضطره إلى إطلاق عروض مخفضة لتوفير السيولة وتصريف المنتج بأقل الخسائر، إذ بات يبيع البنطال بأسعار تتراوح بين 10 و20 شيكلاً فقط، وعلى الرغم من ذلك فإن حركة الشراء ما تزال شبه معدومة.
ويعكس حال شحرور أزمة السيولة العامة؛ فوفقاً لتقارير سلطة النقد، شهدت الفترة الأخيرة انفجاراً في ظاهرة "الشيكات المرتجعة" التي تجاوزت قيمتها الإجمالية 1.5 مليار دولار، وهو ما يفسر ما ذكره شحرور عن شقيقه الذي يقبع حالياً في السجن بمدينة الخليل بسبب عجز مالي نتج عن تراجع المبيعات بنسبة تجاوزت 70%.
اقرأ أيضًا: الاعتداءات الإسرائيلية تُكبّد اقتصاد الضفة خسائر تتجاوز مليون دولار
وفي السياق ذاته، اضطرت السيدة علا أبو كويك صاحبة محل ملابس في رام الله، إلى إغلاق متجرها لعدم قدرتها على سداد الإيجار وتراكم المصاريف التشغيلية. وبينت لـ "فلسطين أون لاين" أنها انتقلت للبيع عبر الإنترنت (أونلاين) من منزلها في محاولة لتقليص النفقات، مشيرة إلى أن الحرب غيرت أولويات المواطنين؛ حيث بات الإنفاق محصوراً في شراء المنتجات الغذائية والتموينية والمحروقات الأساسية فقط.
اقرأ أيضًا: تصاعد هجمات المستوطنين في الضفة.. إحراق ممتلكات واعتداءات بحماية جيش الاحتلال
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن القوة الشرائية في الضفة فقدت أكثر من 1.25 مليار شيكل شهرياً كانت تضخ من رواتب العمال في داخل المحتل، والذين فقد نحو 200 ألف منهم وظائفهم، مما أدى لانكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 20% و30%.
تحدث رئيس الاتحاد العام للصناعات سابقاً نور الدين جرادات عن واقع اقتصادي مرير تعيشه الضفة الغربية، ملخصاً المشهد في تراجع حاد للقدرة الإنتاجية نتيجة التوترات السياسية والأمنية الراهنة.

رئيس الاتحاد العام للصناعات سابقًا، نور الدين جرادات
وأوضح جرادات لـ "فلسطين أون لاين" الاقتصاد الفلسطيني يواجه "كماشة" مزدوجة؛ فمن جهة، تسبب منع العمال من الوصول لوظائفهم في تجفيف منابع الدخل، ومن جهة أخرى، أدى احتجاز أموال المقاصة إلى عجز السلطة عن صرف الرواتب، مما أدى في النهاية إلى تراجع القدرة الشرائية وكساد حركة البيع والشراء.
وبين أن الضغوط المالية بلغت حداً دفع بالعديد من الشركات نحو الإفلاس أو التعثر، ما ترتب عليه تسريح العمالة. كما فاقمت الحواجز والإغلاقات بين المحافظات من الأزمة عبر تعطيل سلاسل التوريد وارتباك المواعيد، وارتفاع تكاليف الشحن والتخزين، مما أفقد المنتج المحلي قدرته التنافسية.
تقلص القدرة الشرائية
من جانبه، يصف المتسوق ليث علاونة مشهد مدينة رام الله، بأنها أصبحت اليوم محدودة الحركة بشكل كبير، موضحاً أن المواطنين استنزفتهم الظروف الصعبة ولم تعد لديهم القدرة على الإنفاق كما في السابق.
وبين لـ "فلسطين أون لاين" أن اقتصاد مدينة رام الله كان يعتمد بدرجة كبيرة على حركة المتسوقين القادمين من المحافظات الأخرى، إضافة إلى الفلسطينيين من الداخل المحتل ، إلا أن القيود والحواجز الإسرائيلية حالت دون وصولهم، مما أثر بشكل مباشر على نشاط الأسواق. كما لفت إلى أن العمال كانوا يشكلون سابقاً قوة شرائية مهمة، لكن فقدان فرص العمل قلّص قدرتهم الشرائية بشكل حاد.
ويجمع تجار ومواطنون على أن استمرار هذا الركود يهدد بانهيار موسم العيد بالكامل، محذرين من تبعات اجتماعية واقتصادية خطيرة في ظل تراكم البضائع الكاسدة وغياب أي أفق لانفراجة مالية قريبة في عموم الضفة الغربية.

