انعكست الظروف الاقتصادية والمعيشية المعقدة مباشرة على سلوك المستهلكين ومستوى النشاط التجاري في أسواق قطاع غزة، وذلك قبل وأثناء فترة الاحتفاء بعيد الأضحى.
وعلى مدار العامين والنصف الماضيين من حرب الإبادة، تراكمت الأزمات الاقتصادية والإنسانية، لتشكل ضغطًا متزايدًا على القدرة الشرائية للأسر، وهو ما بدا واضحًا خلال موسم العيد الأخير.
وتشير المؤشرات الميدانية إلى انخفاض حاد في القدرة الشرائية لدى المواطنين، نتيجة تراجع مستويات الدخل وندرة السيولة النقدية، الأمر الذي دفع الأسر إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، حيث تركزت النفقات على السلع الأساسية مثل الغذاء والاحتياجات اليومية، مقابل تراجع واضح في الإنفاق على السلع الكمالية ومستلزمات العيد.
مستويات متدنية
في هذا السياق، أفاد تجار بأن حجم المبيعات بقي عند مستويات متدنية، رغم محاولات تنشيط السوق من خلال العروض والتخفيضات.
وأوضح خالد الزيان، أحد تجار الملابس، أن "الحركة الشرائية التي سبقت عيد الأضحى محدودة للغاية بسبب نقص السيولة النقدية لدى المواطنين، ورغم تقديم تنزيلات لجذب الزبائن، إلا أن الإقبال كان ضعيفًا".
وأضاف في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن الواقع الحالي فرض تحولًا واضحًا في سلوك المستهلكين، حيث أصبحت القرارات الشرائية أكثر حذرًا، وتميل نحو الضروريات على حساب الكماليات، مشيرًا إلى أن العديد من الأسر لجأت إلى تأجيل أو إلغاء شراء مستلزمات العيد.
وبيّن أن التجار كانوا يعولون على صرف مخصصات الشؤون الاجتماعية في تنشيط الأسواق، إضافة إلى دور المؤسسات المحلية والدولية في تقديم المساعدات النقدية وتنفيذ مشاريع "كسوة العيد"، إلا أن هذا التأثير بقي محدودًا للغاية هذا العام.
موسم ضعيف
ووصف الزيان موسم عيد الأضحى لهذا العام بأنه موسم ضعيف اقتصاديًا، اتسم بانخفاض الطلب وتراجع النشاط التجاري بشكل ملحوظ.
وأحدثت حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة دماراً شاملاً في كافة مقومات الحياة والمؤشرات الاقتصادية حتى عام 2026، حيث تحوّل القطاع إلى منطقة منكوبة بالكامل وفقاً للتقارير الدولية والأممية.
وارتفعت نسبة الفقر متعدد الأبعاد لتبلغ بين 85% إلى 90% من إجمالي السكان، بينما يعيش حوالي 81.5% في فقر مدقع نتيجة فقدان المأوى والقدرة الشرائية. كما تشير البيانات إلى أن أكثر من 73% من أرباب الأسر فقدوا دخلهم بالكامل، وبات الاعتماد شبه كلي على المساعدات الشحيحة.
غياب المظاهر
ولم يكن العيد بالنسبة للأهالي سوى تذكيرٍ إضافي بحجم الفقد والدمار، في ظل حربٍ طاحنة غيّرت ملامح حياتهم وأثّرت على مختلف جوانبها، بما في ذلك قدرتهم على إحياء الشعائر والطقوس المرتبطة بالمناسبة.

وفي هذا السياق، يتحدث باسل عابد، وهو رب أسرة، عن غياب أبرز مظاهر العيد، وفي مقدمتها الأضحية، مشيرًا إلى أن تكلفتها باتت "فلكية" حيث تتراوح بين 7 إلى 8 آلاف دولار، الأمر الذي حرمه من أدائها هذا العام، بعد أن كان حريصًا عليها قبل حرب الإبادة.
وأضاف عابد في حديثه لصحيف "فلسطين" أن تحضيرات العيد اقتصرت على محاولات محدودة لإدخال البهجة على قلوب أطفاله، من خلال شراء ملابس جديدة، إلى جانب زيارات عائلية ضيقة ضمن نطاق السكن، في ظل صعوبة التنقل وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، والتي طالت مختلف السلع، بما في ذلك الملابس، والفواكه، والخضروات، وحتى اللحوم.
وأشار إلى أن دور المؤسسات الإغاثية والجمعيات كان شبه غائب بالنسبة للعائلات التي تقطن في منازل أو شقق مستأجرة، حيث تركزت المساعدات المحدودة في الغالب على النازحين في الخيام، ما ترك شريحة واسعة من الأسر دون دعم يُذكر خلال موسم العيد.
وشُلّت العجلة الاقتصادية وتضررت المنشآت والقطاع الخاص بشكل تام، مما رفع معدل البطالة العام إلى مستويات غير مسبوقة عالمياً تتراوح بين 75% و80%، في حين تخطت نسبة البطالة في صفوف الشباب والخريجين حاجز 95% نتيجة تدمير المؤسسات والجامعات.
خسارة مصدر الدخل
ويروي عبد الرحمن الشايب تفاصيل معاناته ومسار نزوحه القسري، الذي تكرر نحو 12 مرة منذ أن شن الاحتلال حرب الإبادة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، متنقلاً بين غزة والمنطقة الوسطى وخانيونس ورفح، قبل أن يستقر به الحال مجددًا في المنطقة الوسطى.
الشايب، الذي لم يمضِ على زواجه سوى أشهر قليلة قبل الحرب، فقد منزل عائلته المكوّن من أربعة طوابق، كما خسر مصدر دخله بعد تدمير محله التجاري المختص ببيع مواد البناء والجبس، ما فاقم من أزمته الاقتصادية والمعيشية. كما يروي لـ"فلسطين".
ويجد نفسه اليوم مجبرًا على دفع إيجار شهري يبلغ 800 شيكل مقابل الإقامة في "حاصل" (مخزن) مغطى بالشادر بجوار أحد المنازل، وهو مكان لا يصلح للسكن في الظروف الطبيعية، حيث يعاني من قسوة الأجواء، سواء مع ارتفاع درجات الحرارة صيفًا، أو الحاجة المستمرة لصيانة الشادر خلال فصل الشتاء لحمايته وعائلته.
وتتفاقم معاناته في ظل مسؤوليته عن أسرته الصغيرة، حيث تقيم معه زوجته وطفلته التي وُلدت مع بداية الحرب، في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
ويصف الشايب أجواء عيد الأضحى قائلاً: "كان عيدًا كئيبًا بامتياز، خاصة في المنطقة التي نعيش فيها، وزاد من كآبته استشهاد عدد من أنسبائي (أهل زوجتي)".
مرارة العيد
ويعاني نحو 96% إلى 100% من السكان من انعدام الأمن الغذائي الحاد. ويواجه أكثر من نصف السكان مستويات "كارثية" من الجوع (المرحلة الخامسة وفق تصنيف IPC)، مع تفشي سوء التغذية الحاد بين الأطفال والنساء الحوامل، وتسجيل وفيات مباشرة ناتجة عن الجفاف الممنهج والحصار.

ولم تختلف مرارة العيد لدى أبو رأفت أبو زيد، وهو رجل مسن عاصر النكبة، ويعيش مع زوجته المريضة منذ عشر سنوات، حيث تداخلت معاناته القديمة مع واقع جديد أكثر قسوة فرضته الحرب.
أبو زيد، الذي دُمّر منزله المكوّن من ثلاثة طوابق في جباليا، يعيش اليوم نازحًا في خيام، محاولًا تأمين الحد الأدنى من الحياة لنفسه وزوجته وأبنائه وأحفاده، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية وصفها بأنها "صعبة وقاسية جدًا"، وتفوق قدرة البشر على التحمل.
وفي ظل هذا الواقع، تتأرجح مشاعر المواطنين تجاه الأيام القادمة بين التخوف من الأسوأ، بما في ذلك سيناريوهات النزوح المتكرر أو التهجير، وبين أملٍ ضئيل في حدوث انفراجة تخفف من حجم المعاناة.
ويجمع مواطنون على أن إنقاذ القطاع يتطلب تدخلًا واسع النطاق، عبر تشكيل لجنة إعمار دولية، وإطلاق جهود حقيقية لانتشال الاقتصاد المنهار، إلى جانب توفير الاحتياجات الأساسية التي باتت تُعد من الكماليات، مثل المياه، والكهرباء، وغاز الطهي.
يشار إلى أن ما يقارب 90% من السكان (نحو 2 مليون فلسطيني) نزحوا قسرا ويعيش جلّهم في مخيمات مراكز الإيواء والخيام المفتقرة لخدمات الصرف الصحي والمياه الصالحة للشرب، في حين طال الدمار الكلي والجزئي أكثر من 75% من الوحدات السكنية والبنية التحتية.

