كان السند الأول لبيته

روح "عبد المجيد" ترفرف فوق مائدة إفطار عائلة "الوحيدي"

...

غزة - عبد الرحمن الطهراوي

نزهة غير عادية خرجها الشاب عبد المجيد الوحيدي إلى الحدود الشرقية لقطاع غزة، حيث يتمركز جنود الاحتلال الإسرائيلي خلف السواتر الرملية وفي أعلى القباب المحصنة، بينما ينهمك عشرات الشبان الفلسطينيين في إلقاء الحجارة وإشعال الإطارات المطاطية بالقرب من السياج الفاصل.

ومع إشراق صباح يوم الجمعة 9/ أكتوبر/2015، بدأ عبد المجيد بارتداء أجمل الملابس والتطيب بأرقى العطور، موشحاً نفسه بالكوفية الفلسطينية، "يا حبيبي لسا باقي 6 ساعات على الصلاة.. تعال افطر معنا واشرب شاي يلا، وبعدين بدي ارسلك إلى السوق"، طلب وجهه الوالد مجدي لابنه الأكبر.

"للأسف يا أبي لن نفطر معا .. ولكن سألقي عليكم نظرة الوادع الأخيرة ثم أخرج تاركا لكم ابتسامتي المعهودة" وكأن هذه الكلمات تحدث بها عبد المجيد لنفسه.

على عجلة من أمره وابتسامة عريضة تعلو محياه، وصل عبد المجيد إلى وسط بلدة بيت لاهيا، حيث يتجمع مئات الشبان الغاضبين هناك، قبل أن ينطلقوا في مسيرة صوب نقاط التماس، في محاولة لزيادة عنفوان انتفاضة القدس التي انطلقت بالضفة الغربية ومدينة القدس المحتلتين، في مطلع شهر أكتوبر/تشرين الأول 2015، رفضا للانتهاكات الإسرائيلية المستمرة بحق المدينة المقدسة.

وما إن وصل شبان المسيرة الموشحين بالكوفية الشهيرة والعلم الفلسطيني، حتى بدأ جنود الاحتلال المدججون ببنادق القنص والأسلحة الرشاشة، بإطلاق الأعيرة النارية وقنابل الغاز المسيلة للدموع من كل حدب وصوب، فيما انشغل عبد المجيد بإشعال إطار مطاطي محاولا إيصاله إلى السياج الفاصل.

وبعد عدة محاولات باءت بالفشل، أوصل الوحيدي إطار السيارة المشتعل إلى أقرب نقطة، وبدأ بإلقاء الحجارة على الجنود الإسرائيليين من نقطة صفر، هاتفا: "على القدس رايحين شهداء بالملايين"، "الله أكبر .. الله أكبر"، "الموت ولا المذلة .. حرائرنا أحرارنا".

وفي وسط معمعة المواجهات المشتعلة وسحب الدخان السوداء الممزوجة برائحة الغاز المسيل للدموع، أخرج الشاب عبد المجيد هاتفه النقال والتقط صورة ذاتية "سيلفي"، الأمر الذي أغاظ جنود الاحتلال، فاطلق أحدهم رصاصة مطاطية أصابت كتف يده اليسرى، ثم ارتفعت وتيرة إطلاق قنابل الغاز والرصاص.

الخبر

رفض الوحيدي مغادرة ساحة المواجهة، واستكفى بالعلاج الميداني السريع، ثم عاد بهمة أكبر للاشتباك بحجارته الصغيرة مع جنود الاحتلال، وما هي دقائق حتى باغتته رصاصة أخرى قاتلة استقرت في رقبته، فارتقى شهيدا على الفور.

مضت الساعات واقترب مؤذن الحي من رفع أذان العصر، ولم يعد عبد المجيد للمنزل بعد ولا أحد يجيب على هاتفه، حينها بدأ القلق يتسلل إلى قلب أمه، فاندفعت نحو زوجها لتسأله عن سر تغيب ابنهما، فأجابها "شوية وبرجع ..أكيد بكون الآن في دار سيده"، إلا أن فؤاد الزوجة لم يهدأ فـ"قلب الأم دليلها".

بدأت جموع الناس تتجمهر حول المنزل ومآذن المساجد القريبة تزف الشهيد البطل عبد المجيد مجدي الوحيدي إلى الحور العين عن عمر ناهز لـ 19 عاما، فيما خرت الأم مغشيا عليها من هول الصدمة وارتفعت أصوات العويل.

وبتلك الرصاصة الإسرائيلية، انتهت آخر نزهات عبد المجيد الدنيوية وتوقف "دينمو" عائلة الوحيدي عن الدوران، لتبدأ المآسي والذكريات الممزوجة بالحزن ولوعة الاشتياق تلاحق أفراد عائلته.

رجل منذ الصغر

الوالد المكلوم مجدي الوحيدي استرجع في مخيلته صور ابنه عبد المجيد قبل أن يرحل برصاص جيش الاحتلال، ويقول: "كان السند الأول للبيت ومحركه الدائم، هو حنون بطبعه ومحب للأطفال، ويتمتع بأخلاق عالية مع أشقائه وشقيقاته، وكان لا يخرج من المنزل إلا بعد أن يسأل والديه إن كانا يريدان شيئا".

كما عرف بحبه للخير ومده يد المساعدة لكل من يحتاج رغم محدودية قدراته، يضيف مجدي لصحيفة "فلسطين": "كان يشارك في مختلف الفعاليات ويحرص على أداء الواجب سواء في أفراح أهالي الحي أو أحزانهم، فهو رجل منذ نعومة أظافره واجتماعي من الدرجة الأولى وواصل لأرحامه طوال أيام العام وفي شهر رمضان تحديدا".

واستقبلت عائلة الوحيدي شهر رمضان بالدعاء لشهيدها بالرحمة والقبول، واستذكرت مواقف عبد المجيد الرمضانية خاصة أنه كان المسؤول عن جلب احتياجات المنزل طوال أيام الشهر الفضيل.

ولم تكن تفاصيل أيام رمضان سهلة على أفراد العائلة، فمائدة الإفطار التي كانت تحتضن الجميع، غاب عنها "دينمو" البيت، الأمر الذي سلبهم بهجة الشهر الفضيل، ويقول مجدي: "افتقده الجميع كثيرا، واشتقنا لضحكاته ولكن هو دائما في قلوبنا وعقولنا .. والحمد الله الذي ألهمنا الصبر على فراقه".

ويتابع الوحيدي: "في الأشهر الأخيرة قبل استشهاده، كان يخرج صوب المناطق الحدودية بشكل شبه يومي، وعندما كنت أسأله عن سبب تلك الزيارات المستمرة كان يقول إنه يحب التنزه هناك أمام مرى جنود الاحتلال، ولم أكن أعلم أنه كان يخطط للشهادة ويترقب بشغف الوقت المناسب لذلك".

وبين أن علاقته كانت مميزة بجميع الشبان من كافة الفصائل، ومن حبه للتضحية واندفاعه للشهادة لم يكن يفوت أي مواجهة حدودية حيث يتقدم الصفوف ويحرض الشباب على المشاركة، مؤكدا أنه ما شارك في مواجهات انتفاضة القدس إلا دفاعا عن حجاب حرائر فلسطين المرابطات في المسجد الأقصى المحتل.