من دون زجاج عازل ولا نوافذ حديدية وأسلاك، وبلا سجان يطرق كتفه مخبرًا بانتهاء موعد الزيارة، التقط أسامة التايه أول صورة له في حياته مع والده الأسير المحرر جمعة التايه بعد (18 عامًا) أسيرًا في سجون الاحتلال.
استغرق التقاط الصورة سنوات من الشوق والانتظار إلى أن حانت لحظة الحرية، لكن حتى هذه الفرحة كانت ناقصة، فإجراءات الحجر الصحي التي فرضتها جائحة "كورونا" باعدت بينهما فكان اللقاء صامتًا بلا عناق إلا من صورة جمعتهما في إطارها.
بابتسامة سبقت كلماته عبر الهاتف، يعبر أسامة متحدثًا لصحيفة "فلسطين" عن فرحته بالإفراج عن والده والتقاط أول صورة له معه، قائلًا: "عشت لحظات صعبة، أول مرة أرى والدي في الخارج بلا زجاج وقيود، كانت الدقائق التي انتظرته بها على الحاجز تمر كالأعوام، حينما أسر كان عمري 11 شهرًا ووالدتي حامل بأخي نصر الله، حُرمنا من الطفولة بجانبه".
(18 عامًا) لم تكن رقمًا عابرًا، فهو عمر انقضى من حياة أسير، حرمه السجن من الأهل والحياة وأبقاه فقط يتنفس في تلك السجون التي يسميها الأسرى "مقابر الأحياء".
والمحرر جمعة التايه (51 عامًا) من سكان بلد كفر نعمة غرب رام الله، وينتمي إلى حركة الجهاد الإسلامي.
ويقول لصحيفة "فلسطين" بصوته يقطر فرحًا مع كلمات من الحمد والثناء على الله: "الآن أتنسم عبير الحرية، أرى الأشجار السماء الزرقاء، الناس، العالم، الحياة الجديدة، التفاعل، لأن السجن هو الموت البطيء (...) يكاد قلبي ورئتاي لا تتسع للفرحة والهواء واستنشاق عبير الحرية، شعور أتمنى أن يشعر به الأسرى ففرحة الحرية لا تعدلها فرحة".
اليوم الأخير
يعود جمعة بشريط ذكرياته القريب لليوم الأخير داخل السجن: "كنت قلقًا خشية أن يجدد الاعتقال حتى جاءني السجان ليلة الإفراج ونادى على اسمي باللغة العبرية: "جمعة التايه إفراج"، كلمات خفق قلبي بها فرفعت يدي إلى السماء وكبَّرت وسجدت حمدًا لله، انتظرت حلول الصباح على أحر من الجمر ثم مرت خمس ساعات من التفتيش".
ولا يخفي جمعة خوفه من لحظات التفتيش "فخشيت أن يوقظني أحد من الحلم، حتى رأيت عائلتي وتحول الحلم إلى حقيقة بعد 18 عامًا ونصف داخل سجون الاحتلال".
وأضاف: "رغم أنني لم أستطِع احتضانهم بانتظار نتائج الفحوصات النهائية بعدما أظهرت الفحوصات الأولية أن النتيجة سلبية".
وعن أحوال السجون السيئة في زمن ما قبل كورونا وما بعده، أوضح المحرر جمعة أن إدارة سجون الاحتلال لم تقُم بخطوات عملية من أجل حماية الأسرى من الفيروس، ولم تأخذ عينات فحص من الأسرى، ولم توفر لهم لوازم الوقاية كالكمامات ومواد تنظيف، "الأسرى أخذوا احتياطاتهم بأنفسهم مما يتوفر من مواد التنظيف".
اعتقال ومحطات
ومن داخل غرفة حجره المنزلي، ينبش التايه تفاصيل أول يوم له في الأسر، محدثًا عن اعتقاله في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2001م من منزله بطريقة متوحشة، لتبدأ رحلة العذاب من التحقيق الذي استمر (62) يومًا.
وأوضح أن الأحداث تعاقب بعدها، فبعد ستة أشهر أنجبت زوجتي طفلنا الثاني وسميناه "نصر الله، كانت فرحتي كبيرة، أن ترزق بطفل وأنت تنتظر حكمًا كبيرًا... رفع هذا معنوياتي".
محطات أخرى عاشها التايه داخل الأسر، كان أهمها الإضرابات التي شارك فيها تحديدًا إضراب عام 2012، الذي استمر (28) يومًا: "حققنا إنجازات مهمة فيه وشارك به 1500 أسير، واستطعنا إخراج 22 أسيرًا من العزل الانفرادي، واستطعنا انتزاع قرار عودة الزيارات لعوائل أسرى غزة بعد ست سنوات من المنع".
وفي الفترات الأخيرة استطاع الأسرى بالضغط والإضرابات إجبار إدارة سجون الاحتلال على تركيب "هاتف عمومي"، داخل الأقسام والتواصل مع الأهل، أما على صعيد "جمعة" الشخصي فحصل على شهادة الماجستير في الشريعة الإسلامية من جامعة القدس أبو ديس، وأصبح مدرسًا في السجون"، خاتمًا حديثه: "حملني الأسرى رسالة الوحدة الوطنية بأن تنطلق على قاعدة رفض صفقة القرن".

