تجلس صديقة أبو جراد (32 عامًا) على كرسي متحرك، تحاول الاعتماد عليه للتنقل داخل قاعة الطوارئ في مجمع الشفاء الطبي، حيث أُقيمت فعاليات اليوم العالمي لمرضى الثلاسيميا تحت عنوان: "معركة البقاء في زمن الإبادة".
وبدت ملامح التعب واضحة على وجه صديقة، وهي تروي سنوات طويلة من المعاناة مع مرض مزمن لا يرحم، في ظل واقع صحي يزداد انهيارًا في قطاع غزة.
وتقول أبو جراد، وهي إحدى المصابات بالثلاسيميا، لصحيفة "فلسطين"، إنها تعاني هشاشة في العظام والتهابات حادة في المفاصل، ما يجعلها غير قادرة على السير مسافات طويلة، إذ تتعرض لتورم شديد عند بذل أي مجهود بسيط.
وتضيف أنها باتت تعتمد على الكرسي المتحرك في حياتها اليومية، في وقت تعجز فيه عن الحصول على العلاج اللازم أو إجراء الفحوصات الطبية الأساسية، مثل فحوصات المغنيسيوم والكالسيوم، التي تؤكد أنها غير متوفرة في المستشفيات، فضلًا عن عدم قدرتها على تحمل تكاليف إجرائها، مشيرة إلى أنها لم تخضع لأي فحوصات شاملة منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
وتناشد أبو جراد الجهات المعنية بتوفير الأدوية الأساسية ووحدات الدم والفحوصات الطبية الضرورية، إلى جانب السماح بسفر المرضى لتلقي العلاج خارج قطاع غزة، في ظل انهيار النظام الصحي وصعوبة توفير أبسط الاحتياجات العلاجية.
معركة بقاء
من جانبه، يروي محمد ياسين (32 عامًا)، وهو أخصائي نفسي وأحد مرضى الثلاسيميا، تفاصيل معاناة متفاقمة منذ سنوات، قائلًا إن المرضى في غزة حُرموا من حقهم في السفر لتلقي العلاج، في وقت تتزايد فيه صعوبة الحصول على الأدوية الأساسية، وعلى رأسها أدوية طرد الحديد.
ويشير ياسين، لصحيفة "فلسطين"، إلى أن نقص الغذاء وشح الموارد ينعكسان بشكل مباشر على المرضى، حيث باتت عملية نقل الدم تمثل "معركة أسبوعية" من أجل البقاء، بعدما كانت تُجرى كل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، لكنها اليوم قد تتأخر لشهرين أو ثلاثة بسبب نقص وحدات الدم وتدهور الوضع الصحي العام.
ويؤكد أن مستوى الهيموجلوبين لدى بعض المرضى ينخفض إلى 5، وهو مستوى خطير يهدد الحياة، موضحًا أن الحرب المستمرة وتداعياتها تسببت في وفاة نحو 50 مريض ثلاسيميا في قطاع غزة نتيجة نقص العلاج ووحدات الدم، إضافة إلى غياب الفحوصات الآمنة.
ويضيف أن المرضى يوجهون نداءً عاجلًا إلى العالم، خاصة في اليوم العالمي للثلاسيميا، مؤكدين أنهم "ليسوا أرقامًا"، بل أشخاص يواجهون الموت يوميًا في ظل حصار يمنعهم من العلاج والسفر.
حصار يفاقم المعاناة
وفي السياق ذاته، يؤكد منسق جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا في قطاع غزة، إبراهيم عبد الله، أن عدد المرضى يبلغ نحو 273 مريضًا في القطاع، فقد منهم 50 خلال الحرب، بينهم من استشهدوا جراء القصف، وآخرون توفوا نتيجة تدهور أوضاعهم الصحية والمجاعة ونقص العلاج.
ويشير عبد الله، في لـ"فلسطين"، إلى أن مرضى الثلاسيميا يحتاجون بشكل دائم إلى أدوية طرد الحديد وفلاتر الدم ووحدات نقل الدم، إلا أن هذه المستلزمات غير متوفرة بالكميات الكافية، ما يفاقم خطورة أوضاعهم الصحية.
كما يلفت إلى أن بعض طلبات السفر للعلاج في الخارج تُقابل بالرفض بحجة توفر العلاج داخل القطاع، رغم الواقع الصحي الكارثي الذي يعيشه المرضى.
ويؤكد أن الإمكانيات المتاحة داخل المراكز الصحية محدودة للغاية، ما يدفع الطواقم الطبية للاعتماد على بدائل غير كافية لتقديم الرعاية اللازمة.
أدوية متخصصة مفقودة
بدوره، يوضح مدير مركز غزة للسرطان، الدكتور محمد أبو ندى، أن عدد مرضى الثلاسيميا تراجع إلى نحو 100 حالة فقط، بعد وفاة 12 مريضًا وسفر عدد آخر لتلقي العلاج خارج القطاع، بينما توفي نحو 40 مريضًا بسبب سوء التغذية ونقص العلاج والدم.
ويحذر أبو ندى من أن المرضى بحاجة إلى نقل دم منتظم كل ثلاثة أسابيع على الأقل، إضافة إلى أدوية متخصصة للتخلص من الحديد، مؤكدًا أن غياب هذه العلاجات يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، أبرزها فشل القلب والكبد، ما يهدد حياة المرضى بشكل مباشر.
من جهتها، حذرت وزارة الصحة في غزة من تفاقم أوضاع مرضى الثلاسيميا، مؤكدة أن نقص الأدوية التخصصية وشح وحدات الدم وتدمير المختبرات الطبية يهدد حياة المرضى بصورة مباشرة.
وأوضحت الوزارة، في بيان صحفي، أمس، أن 50 مريضًا توفوا خلال الحرب من أصل 334 حالة مسجلة، فيما غادر 47 مريضًا القطاع لتلقي العلاج.
وأضافت أن تدمير البنية التحتية للمختبرات يحول دون إجراء الفحوصات الضرورية، ما قد يؤدي إلى ظهور حالات جديدة غير مشخصة، داعية المؤسسات الدولية إلى التدخل العاجل لإنقاذ حياة المرضى، وتوفير العلاج، والسماح لهم بالسفر.
وفي ظل هذا الواقع المأساوي، يبقى مرضى الثلاسيميا في غزة عالقين بين مطرقة المرض وسندان الحصار، يواجهون يوميًا معركة بقاء قاسية، دون أفق واضح لنهاية معاناتهم

