في جنوب قطاع غزة، لم يعد الركام مجرد شاهد على الدمار الذي خلّفته حرب الإبادة الإسرائيلية، بل تحوّل إلى مورد اقتصادي بديل يفرض حضوره في حياة المواطنين المنهكين من تداعيات العدوان.
في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، نشأ سوق للخردة يعتمد على مواد مُستخرجة من أنقاض المنازل المدمرة، في مشهد يعكس تحولات قاسية فرضتها الحرب والقيود المستمرة على إدخال البضائع.
داخل السوق، تتكدّس المعادن والأخشاب والأبواب وأدوات منزلية وكهربائية، كثير منها تالف أو بحاجة إلى إصلاح، لكنها تبقى الخيار الوحيد أمام مئات العائلات الباحثة عن احتياجاتها الأساسية بأسعار أقل، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر.
مواد تالفة وأسعار مرتفعة
يقول عادل عميش، من سكان خزاعة، وهو يتفقد أكوام الخردة لصحيفة "فلسطين": "لم نعد نملك رفاهية الاختيار، نشتري المتوفر حتى لو كان تالفاً". ويضيف أنه فقد منزله وممتلكاته شرق المدينة، وأصبح يعتمد على هذا السوق لتأمين أبسط احتياجاته، رغم أن الأسعار "لم تعد منخفضة كما يُعتقد".
ولا يختلف حال الباعة عن المشترين، فكلاهما ضحية للظروف ذاتها. ويوضح حسن محمد العرجا، بائع خردة ونازح من رفح، أنه اضطر لدخول هذا المجال بعد فقدان منزله ومصدر رزقه، قائلاً: "نشتري ما ينقذه الناس من بيوتهم المدمرة، أحياناً من مناطق خطرة، ونبيعه بهامش ربح محدود جداً".
اقتصاد قسري قائم على إعادة التدوير
يكشف هذا النشاط عن اقتصاد قسري قائم على إعادة التدوير، حيث تتحول بقايا المنازل إلى سلع قابلة للتداول. فالأبواب القديمة يُعاد استخدامها، والأخشاب تُوظّف من جديد، وحتى الأدوات الكهربائية التالفة يُحاول البعض إصلاحها.
في زاوية من السوق، يعمل سمير أبو مسعود على إعادة تشكيل الحديد المستخرج من الركام باستخدام أدوات بدائية، ليحوّله إلى هياكل تُستخدم في إقامة الخيام. ويقول: "الناس بحاجة إلى مأوى، والخشب نادر ومرتفع الثمن، لذلك أصبح الحديد بديلاً".
أما محمود أبو جزر، أحد المتسوقين، فيؤكد أنه يزور السوق باستمرار بحثاً عن أدوات قابلة للإصلاح، مضيفاً: "لا خيار آخر".
ورغم ذلك، لا يخلو المشهد من ألم إنساني، إذ يعثر بعض المتسوقين أحياناً على مقتنيات تعود لهم أو لجيرانهم بين المعروضات، بعد أن خرجت من تحت الأنقاض، دون القدرة على استعادتها

