داخل خيمة نزوح مهترئة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، يعيش ماهر خير الدين (59 عامًا) مع قلبٍ يكاد يتوقف في أية لحظة. فمنذ خمس سنوات، بدأ جسده يعلن استسلامه تدريجيًا بعد إصابته بضعف حاد في عضلة القلب، حتى باتت كفاءتها لا تتجاوز 20% فقط.
وخلال الشهرين الأخيرين، تدهورت حالته الصحية بصورة خطيرة، ليصبح ضيفًا دائمًا على قسم العناية المركزة في مستشفى الشفاء بمدينة غزة. هناك، بين أجهزة المراقبة وصفارات الإنذار، يقضي أيامه مترقبًا النوبة القادمة، فيما تعيش عائلته خوفًا دائمًا من أن تكون كل مرة هي الأخيرة.
ويصف نجله باسل حالته بقلق بالغ، قائلًا لصحيفة "فلسطين”: “تصنّف عضلة القلب التي تعمل بنسبة 45% بأنها ضعيفة جدًا، فكيف بحالة والدي الذي لا تتجاوز كفاءة عضلة قلبه 20%؟ الحرب والنزوح والحالة النفسية القاسية فاقمت وضعه بشكل كبير”.
فالحرب لم تكتفِ بتدمير منزل العائلة وتشريدها، بل ضاعفت معاناة الرجل الذي يحتاج إلى استقرار صحي ونفسي للبقاء على قيد الحياة. فمنذ النزوح، يعيش ماهر في ظروف لا تصلح لمريض قلب حتى لأيام معدودة، فكيف بأشهر طويلة داخل خيمة تفتقر لأبسط مقومات الحياة؟
ومؤخرًا، دخلت حالته مرحلة أكثر خطورة، إذ أصبح يعاني من نوبات متكررة تُعرف بـ”رفة القلب”، وهي اضطرابات حادة في نبضات القلب تصيبه بشكل شبه يومي وتفقده الوعي بالكامل.
ويضيف باسل: “والدي يدخل في غيبوبة متكررة، ولا يستفيق إلا بعد الصعق الكهربائي داخل المستشفى. أصبحنا نخشى أن يغمض عينيه في أي لحظة دون أن يعود”.
ومع كل مرة يتعرض فيها للصعق الكهربائي، تتآكل عضلة القلب أكثر، ويزداد خطر الوفاة المفاجئة أو تلف الأنسجة الحيوية. ويؤكد الأطباء أن الحل العاجل يتمثل في زراعة جهاز لتنظيم نبضات القلب، يساعد على استقرار العضلة ومنع التوقف المفاجئ.
ورغم أن هذه العملية تُعد إجراءً طبيًا روتينيًا ومنقذًا للحياة في حالات فشل القلب المتقدم، فإن الحصار ونقص المعدات الطبية في قطاع غزة جعلا العلاج حلمًا بعيد المنال.
ويتابع باسل بحرقة: “الجهاز متوفر في مراكز القلب المتقدمة، وتركيبه ليس معقدًا، لكن الاحتلال يمنع إدخال الأجهزة الطبية ويمنع المرضى من السفر، وكأن المرض وحده لا يكفي”.
ولم يعد ماهر قادرًا على بذل أي مجهود، حتى أبسط الحركات قد تدخله في غيبوبة مفاجئة؛ فالمشي لبضعة أمتار أو الانفعال قد يهددان حياته مباشرة.
وفي الشتاء، كانت معاناته تتفاقم داخل الخيمة الباردة، إذ يعجز قلبه عن ضخ الدم بشكل كافٍ بسبب شدة البرد، حتى كاد يتوقف أكثر من مرة. أما اليوم، ومع ارتفاع درجات الحرارة، فقد دخل مرحلة جديدة من الألم، إذ يعاني أيضًا من ارتفاع ضغط الدم والسكري وتجمع السوائل على الرئتين، ما يفرض عليه قيودًا صارمة حتى في شرب الماء.
ويقول باسل: “الأطباء يحددون له كمية المياه يوميًا، لأن أي زيادة قد تسبب له اختناقًا حادًا بسبب السوائل على الرئتين. ومع الحر الشديد، يشعر بالعطش طوال الوقت، لكنه محروم حتى من الماء”.
وبين الخيمة وغرفة العناية المركزة، يعيش ماهر أيامه مترقبًا فرصة أخيرة للنجاة؛ تنسيق عاجل للسفر، وعلاج قد ينقذ قلبه قبل أن يتوقف نهائيًا.
ويختتم نجله حديثه بمرارة: “والدنا لا يحتاج معجزة، بل فرصة علاج فقط… قبل أن يخطفه الموت في أية لحظة”.

