فلسطين أون لاين

22 ألف قصة فقد…

أرامل غزة… حين تتحول الأم إلى وطن كامل لأطفالها

...
صورة أرشيفية
غزة/ عبد الله التركماني:

لم تعد الحرب مجرد دمار في الحجر، بل تحولت إلى ندبة عميقة في حياة النساء اللواتي وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة عالم قاسٍ دون سند. الأرامل هنا لا يبكين فقط أزواجهن، بل ينهضن كل صباح تحت ثقل مسؤوليات مضاعفة، يحملن عبء الإعالة ورعاية الأطفال في آن واحد، في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الحياة. في خيام النزوح أو بين أنقاض المنازل المهدمة، تقف المرأة الغزية كعمود أخير لعائلة فقدت توازنها، تحاول أن تحافظ على ما تبقى من كرامة الحياة لأطفالها.

ومع استمرار النزوح وتآكل الموارد، تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة بقاء: البحث عن طعام، تأمين ماء نظيف، طهي الطعام، أو حتى إيجاد مساحة آمنة للنوم. في هذا الواقع، لا تملك الأرملة رفاهية الحزن الطويل، بل تضطر إلى تحويل ألمها إلى قوة دافعة، ولو مؤقتة، لحماية أطفالها من الانهيار. إنها حياة تعاد صياغتها قسراً، حيث تتبدل الأدوار الاجتماعية، وتصبح الأم هي الأب، والمعيل، والحارس، والملاذ الأخير.

تشير ورقة تحليلية صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية إلى أن الحرب على قطاع غزة أدت إلى توسع غير مسبوق في ظاهرة المرأة المعيلة، في ظل ارتفاع أعداد الأرامل إلى أكثر من 22 ألف أرملة، إضافة إلى عشرات آلاف الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين. هذا التحول يعكس تغيراً عميقاً في بنية الأسرة الفلسطينية، حيث أصبحت آلاف النساء في موقع الإعالة دون امتلاك أدوات اقتصادية حقيقية.

وتوضح الدراسة أن هذا الواقع يتزامن مع انهيار شبه كامل في سوق العمل وارتفاع البطالة بين النساء، مقابل توسع اقتصاد هش يعتمد على المساعدات. كما تحذر من أن هذه التحولات لا تمثل أزمة مؤقتة، بل تهدد بإعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال، ما لم يتم الانتقال من الإغاثة إلى التمكين الاقتصادي المستدام، وإدماج النساء في عملية الإنتاج وإعادة الإعمار.

تفاصيل يومية قاسية

في زاوية ضيقة من مخيم إيواء وسط مدينة غزة، تجلس منيرة أبو شمالة على قطعة قماش مهترئة، تحيط بها وجوه أطفالها الخمسة الباقين، بينما تغيب صورة الطفل السادس الذي فقدته إلى جانب زوجها في نوفمبر 2024. لا تملك أبو شمالة رفاهية استعادة اللحظة، لكنها تعيشها كل يوم، بتفاصيلها القاسية التي لا تغادر ذاكرتها.

تقول أبو شمالة لصحيفة "فلسطين": "في لحظة واحدة، صار البيت قبراً… فقدت زوجي وطفلي، وفقدت نفسي معهم، لكني لا أملك أن أنهار". منذ ذلك اليوم، تغير كل شيء. أصبحت هذه السيدة مسؤولة عن أسرة من ستة أفراد، في واقع لا يوفر أدنى فرص النجاة. لا دخل ثابت، ولا عمل، ولا حتى مساعدات منتظمة.

تستيقظ مع أول ضوء، ليس لأن لديها خطة واضحة لليوم، بل لأن القلق لا يسمح لها بالنوم. تبدأ رحلتها اليومية بالبحث عن ماء، ثم تقف في طوابير طويلة للحصول على تكية الطعام. تقول: "أحياناً ننتظر ساعات، وفي النهاية نعود بخفي حنين… أطفالي ينامون وهم جوعى، وأنا أكذب عليهم وأقول إن الغد سيكون أفضل".

لكن الغد لا يأتي مختلفاً. تحاول أبو شمالة أن تخفي انكسارها أمام أطفالها، تبتسم لهم رغم التعب، وتردد: "أنا أمكم وأبوكم… ولن أترككم". في الليل، عندما ينام الأطفال، تسمح لنفسها بالبكاء بصمت، حتى لا يسمعها أحد.

أكثر ما يؤلمها ليس الفقر فقط، بل الشعور بالعجز. تقول: "لو كان لدي عمل، أي عمل، لكنت قادرة أن أوفر لهم شيئاً… لكن الحرب أخذت كل شيء". ومع ذلك، تحاول أن تخلق روتيناً بسيطاً يحفظ لأطفالها بعض الإحساس بالحياة، فتجمعهم حولها، تحكي لهم قصصاً عن والدهم، وتزرع فيهم أملاً هشاً.

تضيف: "أخاف أن يكبروا وهم يشعرون بالنقص… أريدهم أن يتعلموا، أن يعيشوا حياة أفضل، لكني لا أعرف كيف". بين الخوف والأمل، تعيش منيرة يومها، تقاوم الانهيار، وتتشبث بدور لم تختره، لكنه فُرض عليها بقسوة.

العمل.. طوق النجاة

بين أزقة مركز إيواء للنازحين غرب مدينة غزة، تحاول أحلام شاهين أن ترسم لنفسها طريقاً للبقاء. منذ أن فقدت زوجها في قصف إسرائيلي في مارس 2024، لم يعد لديها خيار سوى أن تتحول إلى المعيل الوحيد لأسرتها الصغيرة المكونة من أربعة أفراد.

تقول شاهين لـ"فلسطين": "كنت ربة بيت… لم أعمل يوماً خارج المنزل، لكن بعد استشهاده، لم يعد هناك وقت للخوف". وجدت أحلام نفسها أمام واقع قاسٍ: أطفال بحاجة إلى طعام، وبيت بلا دخل، ومجتمع ينهار من حولها. لم تنتظر طويلاً، بل استعادت مهارة قديمة كانت تمارسها كهواية، وبدأت العمل كخياطة.

بإبرة وخيط، تحاول أن تخيط ما يمكن من الحياة. تجلس لساعات طويلة داخل خيمة بالكاد تحميها من الحر أو البرد، تخيط ملابس بسيطة للنازحين، مقابل مبالغ زهيدة. تقول: "أحياناً أعمل يوماً كاملاً لأحصل على مبلغ لا يكفي لشراء الخبز… لكني أتمسك بأي فرصة".

التحديات لا تتوقف عند قلة الدخل، بل تمتد إلى نظرة المجتمع، وصعوبة توفير المواد، وانقطاع الكهرباء. تضيف: "أحياناً أعمل على ضوء الشمعة… وأحياناً أتوقف أياماً لأن القماش غير متوفر". ومع ذلك، ترفض الاستسلام.

تحرص شاهين على أن تبقي أطفالها بعيدين عن شعور الفقد، رغم أنه يملأ المكان. تقول: "أحاول أن أكون قوية أمامهم… أضحك، أمزح، لكن عندما أنام، أشعر بثقل الدنيا فوق صدري". أكثر ما يؤلمها هو عجزها عن توفير حياة مستقرة لهم: "ابني يسألني متى نعود إلى بيتنا… ولا أملك إجابة".

ورغم كل ذلك، ترى في عملها طوق نجاة. تقول: "الخياطة ليست مجرد عمل… هي وسيلتي لأبقى واقفة". تحلم بأن تمتلك يوماً ماكينة خياطة أفضل، وأن تفتح مشروعاً صغيراً، لكنها تدرك أن الطريق طويل.

تختتم بعبارة تختصر كل شيء: "أنا لا أبحث عن حياة مرفهة… فقط أريد أن أربي أطفالي بكرامة". بين الخيط والإبرة، تنسج أحلام قصة صمود يومية، تثبت فيها أن المرأة الغزية، رغم كل شيء، قادرة على إعادة تشكيل الحياة من بين الركام

المصدر / فلسطين أون لاين