فلسطين أون لاين

مع ذكرى النكبة.. خنق مالي ممنهج للأونروا يفاقم مأساة اللاجئين في غزة

...
صورة أرشيفية
غزة/ رامي رمانة:

تتواصل المساعي الأمريكية والإسرائيلية لتجفيف مصادر تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، في خطوة تنعكس بشكل مباشر على حياة ملايين اللاجئين الفلسطينيين، ولا سيما في قطاع غزة الذي يعيش حرب إبادة مستمرة منذ أكثر من عامين ونصف، وسط انهيار غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية والمعيشية.

ومع حلول ذكرى النكبة الـ78، تتعمق معاناة اللاجئين مع تقليص البرامج الإغاثية وخفض المساعدات وفرص العمل والخدمات الأساسية، ما يدفع آلاف العائلات نحو مزيد من الفقر والعوز، ويزيد هشاشة الأوضاع داخل المخيمات.

ويقول المسن أبو سامي عابد، وهو لاجئ من مخيم المغازي وسط القطاع، إن معاناته تفاقمت بشكل كبير بعد تقليص خدمات “الأونروا”، مؤكداً أن الظروف المعيشية أصبحت أكثر قسوة مع استمرار الحرب وتراجع حجم المساعدات.

وأوضح عابد لصحيفة "فلسطين" أنه كان يعتمد على دورة التوزيع الدورية التي تشمل الطحين والبقوليات وكميات محدودة من السكر والزيت، إلى جانب بعض المساعدات النقدية وفرص العمل المؤقتة التي كانت توفر الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

وأضاف: “كنا قبل الحرب نعيش بالكفاف، أما اليوم فلم يعد حتى هذا القليل متوفراً”.

بدوره، عبّر الخريج أشرف أبو عطوان، الحاصل على شهادة في الرياضيات، عن تأثره الشديد بتقليص برامج التشغيل المؤقت والمساعدات النقدية التي كانت تقدمها “الأونروا”، مؤكداً أن تلك البرامج شكلت مصدر الدخل الأساسي له ولعشرات الخريجين في ظل الانهيار الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة.

وأشار إلى أن وقف أو تقليص برامج التشغيل المؤقت حرم العديد من الخريجين من فرصة العمل، ولو بشكل مؤقت، ما فاقم معاناتهم وعجزهم عن توفير احتياجاتهم الأساسية.

اجراءات قاسية

من جهته، أكد عضو اتحاد الموظفين صبري المعلواني أن مئات العاملين في “الأونروا” يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة نتيجة قرارات مست حقوقهم الأساسية.

وأوضحالمعلواني لـ"فلسطين" أن 575 موظفاً رسمياً من فئة الموظفين المسافرين وُضعوا في إجازة استثنائية دون راتب لمدة عام، ما حرمهم من مصدر دخلهم الوحيد وتركهم يواجهون ظروفاً اقتصادية قاسية في الغربة.

وأشار إلى أن الإجراءات لم تتوقف عند ذلك، بل شملت إنهاء خدمات عدد من الموظفين بعد أشهر من وضعهم في إجازة دون راتب، رغم مغادرة بعضهم بتنسيق رسمي مع الوكالة، الأمر الذي أثار حالة واسعة من القلق وفقدان الأمان الوظيفي بين العاملين.

وبيّن المعلواني أن إدارة “الأونروا” أقرت كذلك تقليص ساعات عمل الموظفين الرسميين بنسبة 20%، مع خصم النسبة ذاتها من رواتبهم الأساسية، ما أثر بشكل مباشر على قدرتهم الشرائية في ظل الغلاء المتصاعد.

كما أوقفت الوكالة صرف “علاوة فرق العملة”، التي كانت تسهم في الحفاظ على القيمة الشرائية للرواتب، وهو ما زاد من حدة الأزمة المعيشية للموظفين.

وأكد أن هذه الإجراءات مجتمعة رفعت من حجم الضغوط على العاملين، سواء من حيث أعباء العمل أو تراجع الحوافز، في وقت تتزايد فيه احتياجات اللاجئين للخدمات الإغاثية والإنسانية.

وأضاف أن حالة من القلق تسود بين الموظفين بشأن مستقبلهم الوظيفي، في ظل غياب رؤية واضحة حول استمرارية هذه الإجراءات، مشدداً على أن اتحاد الموظفين يطالب بإعادة المفصولين ووقف الخصومات وضمان حقوق العاملين.

وأشار إلى أن الاتحاد نفذ سابقاً خطوات احتجاجية شملت اعتصامات وإضرابات قبل تعليقها مؤقتاً، مع استمرار الحوار مع إدارة الوكالة، بالتزامن مع تعيين قائم بأعمال مفوض عام جديد للأونروا ومدير عمليات جديد لإقليم غزة.

وتواجه “الأونروا” أزمة مالية مزمنة تتفاقم عاماً بعد آخر، بسبب اعتمادها شبه الكامل على التبرعات الطوعية من الدول المانحة، ما يجعل ميزانيتها رهينة للتقلبات السياسية والضغوط الدولية.

وتحتاج الوكالة سنوياً إلى ما بين 1.2 و1.6 مليار دولار لتغطية عملياتها الأساسية، فيما يأتي الجزء الأكبر من التمويل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وألمانيا والمملكة المتحدة واليابان وكندا ودول إسكندنافية، إضافة إلى مساهمات عربية محدودة.

شطب حق العودة

من جانبه، حذر الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم من أن المساعي الدولية، التي تقودها الولايات المتحدة لتجفيف منابع تمويل “الأونروا”، لا تمثل مجرد أزمة مالية عابرة، بل تشكل “مشروعاً سياسياً بامتياز” يستهدف الرمزية الحقوقية والمعنوية التي تمثلها الوكالة للاجئين الفلسطينيين.

وأوضح عبد الكريم لـ"فلسطين" أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسعى، من خلال قطع التمويل، إلى شطب حق العودة الفلسطيني، معتبراً أن بقاء “الأونروا” يعني بقاء قضية اللجوء والشتات حاضرة على الساحة الدولية.

وأشار إلى أن هذا النهج يعكس سياسة الإدارات الأمريكية المتعاقبة في استخدام المساعدات المالية كأداة ضغط سياسي لتطويع المؤسسات الدولية بما يتوافق مع سياساتها الخارجية.

وبيّن أن الاستهداف لا يقتصر على “الأونروا”، بل يمتد لمحاولة تقويض المنظومة الأممية بأكملها، مستشهداً بانسحاب واشنطن سابقاً من منظمة الصحة العالمية واليونسكو.

وأضاف أن المخطط الحالي يسعى إلى استبدال المرجعيات الدولية القائمة بأطر إدارية وأمنية جديدة، مثل ما يسمى “مجلس السلام”، لتكون نماذج بديلة لإدارة وتسوية الصراعات وفق الرؤية الأمريكية.

وأكد عبد الكريم أن ما يشهده قطاع غزة والضفة الغربية تجاوز حدود الأزمة المعيشية، ليصل إلى مستوى “الإبادة الاقتصادية” وتدمير البنية التحتية ومقومات الحياة.

ورجّح استمرار الأزمة المالية حتى نهاية العام الجاري، في ظل إصرار الأطراف الدولية الداعمة للاحتلال على تجفيف الموارد المالية للشعب الفلسطيني ومؤسساته الإنسانية.

المصدر / فلسطين أون لاين