بينما يحيي الفلسطينيون الذكرى الـ78 للنكبة، التي شكّلت واحدة من أكثر المحطات مأساوية في تاريخهم عام 1948، تبدو غزة اليوم كأنها تعيش نكبة جديدة بأبعاد أكثر قسوة وتعقيدًا، لا تقتصر على التهجير وفقدان المنازل، بل تمتد إلى انهيار شبه كامل في الاقتصاد والبنية التحتية ومقومات الحياة الأساسية، بفعل العدوان الإسرائيلي المتواصل منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وخلال أشهر الحرب، تحوّل قطاع غزة إلى منطقة منكوبة اقتصاديًا وإنسانيًا، بعد أن طال الدمار جميع القطاعات الإنتاجية والخدمية، وسط تفاقم معدلات الفقر والبطالة والجوع والنزوح، في مشهد يعكس حجم الكارثة التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني.
وتشير تقديرات أممية ودولية إلى أن ما بين 60% و70% من مباني قطاع غزة تعرضت لدمار كلي أو جزئي، بما يشمل نحو 300 ألف وحدة سكنية، فيما تراكمت قرابة 60 مليون طن من الركام نتيجة القصف المكثف. كما تضرر أكثر من 90% من القطاع الصناعي، إلى جانب خسائر واسعة في القطاع الزراعي، بالتزامن مع انهيار شبه كامل للبنية التحتية، بما في ذلك شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي.
وتعكس المؤشرات الاقتصادية عمق الأزمة، إذ ارتفعت معدلات البطالة إلى أكثر من 75%، فيما تجاوزت نسبة الفقر 90% من السكان، بينما يعاني أكثر من 95% من المواطنين من انعدام الأمن الغذائي، في ظل نزوح أكثر من 1.7 مليون شخص، وانكماش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 80%.
الزراعة.. من الإنتاج إلى الاعتماد على الاستيراد
وقال الخبير في القطاع الزراعي والبيئي نزار الوحيدي إن العدوان أحدث تحولًا جذريًا في طبيعة الاقتصاد الزراعي في قطاع غزة، بعدما انتقل من اقتصاد يعتمد على الإنتاج المحلي إلى اقتصاد شبه قائم على الاستيراد، نتيجة التدمير الواسع للأراضي الزراعية، خاصة في المناطق الحدودية التي كانت تمثل السلة الغذائية الأساسية للقطاع.
وأوضح الوحيدي لصحيفة "فلسطين" أن تجريف الاحتلال للأراضي وتدمير البنية الزراعية أفقد آلاف المزارعين مصادر رزقهم، وأدى إلى تراجع حاد في الإنتاج النباتي، إلى جانب أضرار جسيمة لحقت بالثروة الحيوانية، سواء في إنتاج اللحوم البيضاء أو الحمراء.
وأشار إلى أن هذا التدهور انعكس بشكل مباشر على توفر الغذاء، لافتًا إلى أن قطاع غزة يستقبل مناسبات مثل عيد الأضحى وسط غياب واضح لمظاهر الإنتاج الحيواني.
وأكد أن استهداف الزراعة لا يمثل مجرد خسارة اقتصادية، بل يشكل ضربة مباشرة للأمن الغذائي، ويعمّق من حالة لارتهان للخارج.
شلل تجاري وارتفاع حاد في الأسعار
من جهته، قال مدير عام غرفة تجارة وصناعة غزة، د. ماهر الطباع، إن الواقع التجاري يشهد تدهورًا غير مسبوق في ظل القيود الإسرائيلية المشددة على الاستيراد والتصدير.
وأوضح الطباع لـ"فلسطين" أن التجار يواجهون صعوبات كبيرة بسبب ارتفاع تكاليف التنسيقات، إلى جانب تحكم الاحتلال في إدخال البضائع، ما أدى إلى نقص حاد في السلع وارتفاع كبير في الأسعار.
وأشار إلى أن هذه القيود حرمت صغار التجار من مزاولة أعمالهم بشكل طبيعي، وأدت إلى تراجع حاد في النشاط التجاري، مؤكدًا أن استمرار الحصار يفاقم الأزمة الاقتصادية بصورة خطيرة.
بدوره، أكد خبير الإسكان والبنية التحتية م. محمد العسكري أن أولوية المرحلة الحالية تتمثل في إطلاق عملية إعادة إعمار شاملة، في ظل الأوضاع الإنسانية القاسية التي يعيشها السكان دون مأوى مناسب.
وأوضح لـ"فلسطين" أن الدمار طال المباني السكنية وشبكات المياه والصرف الصحي، مع تراكم كميات هائلة من الركام، في وقت يمنع فيه الاحتلال إدخال المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الأنقاض.
وأشار إلى أن استمرار منع إدخال وحدات السكن المؤقتة فاقم الأزمة، وأبقى آلاف العائلات في ظروف معيشية صعبة، لافتًا إلى أن مساحات واسعة من القطاع خرجت عن الخدمة، ما انعكس سلبًا على النمو العمراني والاقتصادي.
وشدد العسكري على ضرورة إدخال الأسمنت ومواد البناء، ولو بالحد الأدنى، من أجل إصلاح المستشفيات والمرافق التعليمية والصحية، وتدعيم المنازل الآيلة للسقوط.
"نكبة اقتصادية حقيقية"
من جهته، وصف أمين سر اتحاد الصناعات الإنشائية محمد العصار ما يشهده قطاع غزة بأنه "نكبة اقتصادية حقيقية"، مشيرًا إلى أن القطاع كان يحافظ على حد أدنى من النشاط الاقتصادي قبل الحرب رغم الحصار المستمر.
وأوضح لـ"فلسطين" أن العدوان تسبب في تدمير واسع للبنية التحتية والمنشآت الاقتصادية، بما فيها المشاريع قيد الإنشاء، ما أدى إلى توقف شبه كامل للقطاعات الإنتاجية.
وبيّن أن قطاع الإنشاءات متوقف بالكامل نتيجة منع إدخال مواد البناء، خاصة الأسمنت والحديد، رغم الحاجة الملحة لإعادة الإعمار.
وأكد أن هذا التوقف تسبب في فقدان آلاف فرص العمل، وأبقى الاقتصاد في حالة ركود حاد، لافتًا إلى أن الشركات الفلسطينية تمتلك القدرة على الإعمار، لكن القيود الإسرائيلية تعيق عملها.
وأشار إلى أن الحصار المالي والسياسي فاقم الأزمة، لتعيش غزة واحدة من أسوأ مراحلها الاقتصادية على الإطلاق.
الاقتصاد يعود إلى "نقطة الصفر"
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب إن الحرب أدت إلى تدمير أكثر من 90% من القطاع الصناعي، ونسب كبيرة من القطاع الزراعي، إلى جانب تسريح أعداد هائلة من العمال، ما تسبب في شلل شبه كامل لعجلة الإنتاج.
وأوضح أن اقتصاد غزة عاد فعليًا إلى "نقطة الصفر"، في ظل استمرار القيود المفروضة على إدخال المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، الأمر الذي يمنع أي عملية تعافٍ حقيقية.
وأشار إلى أن استهداف القطاعات الإنتاجية عمّق من حالة الانهيار الاقتصادي، مؤكدًا أن مظاهر النكبة لم تعد تقتصر على التهجير وفقدان المنازل، بل باتت تشمل انهيار سبل العيش، وفقدان مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر والجوع بشكل غير مسبوق.

