شكك عضو المكتب السياسي في حزب الشعب الفلسطيني نافذ غنيم، في جدية الطروحات الأميركية والإسرائيلية المتعلقة بإدارة قطاع غزة، معتبراً أن ما يُطرح تحت مسميات مختلفة، سواء ما يتعلق بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو تشكيل لجان إدارية أو ما يسمى "مجلس السلام"، لا يخدم مصلحة الشعب الفلسطيني، بل يهدف إلى خلق حالة من الفوضى والفراغ الأمني داخل القطاع.
وكان المدير التنفيذي لمجلس السلام في غزة نيكولاي ميلادينوف قد صرح أول من أمس: "نطلب من القيادة السياسية -في إشارة إلى حركة حماس- التي تحكم غزة الآن أن تتنحى جانباً، ولا نطلب من حماس أن تختفي بصفتها حركة سياسية، إذ يمكنها المشاركة في الانتخابات" على حد تعبيره.
وأضاف: "اللجنة الوطنية لإدارة غزة جاهزة للمرحلة الانتقالية في القطاع، ولا نسعى للسيطرة والتحكم بكل المساعدات التي تدخل قطاع غزة بل يتم تنسيقها مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة. مهمتنا الآن في مجلس السلام تتمثل في التخطيط للخطوات المقبلة للانتقال إلى مرحلة التنفيذ".
وقال غنيم لصحيفة "فلسطين"، أمس: إن "خطة ترامب من أساسها مجرد وهم وملهاة لا تحقق أي مصلحة للشعب الفلسطيني"، مؤكداً أن الطروحات المتعلقة بإدارة غزة تُستخدم كوسيلة للضغط على الفلسطينيين وتحميلهم مسؤولية تعطيل تنفيذ الاتفاقات، في وقت تتجاهل فيه (إسرائيل) التزاماتها والخروقات المتواصلة التي ترتكبها داخل القطاع.
فراغ قانوني وأمني
وأوضح أن المرحلة الأولى من الاتفاق لم تلتزم بها (إسرائيل)، مشيراً إلى أن الضغط كان يُمارس على الفلسطينيين فقط، بينما تستمر الخروقات الإسرائيلية على مدار الساعة في قطاع غزة دون أي مساءلة أو تحرك حقيقي لإلزام الاحتلال بتنفيذ ما عليه من التزامات.
وأضاف أن الاحتلال يسعى للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق دون تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى، لافتاً إلى أن (إسرائيل) تعتبر سلاح المقاومة واللجنة الإدارية المقترحة لإدارة القطاع "عقبتين" أمام مخططاتها، رغم أن هذه اللجنة كان من المفترض أن تتولى مهامها داخل غزة بصورة طبيعية.
وبيّن غنيم أن الحديث المتكرر عن ضرورة تسليم حركة حماس الحكم والسيطرة قبل تمكين أي لجنة إدارية من العودة إلى غزة "أمر غير منطقي"، معتبراً أن هذا الطرح يشكل وصفة واضحة لخلق فراغ قانوني وأمني داخل القطاع.
وأكد أن هناك حكومة ما زالت تمارس عملها داخل غزة رغم الظروف الخطيرة والاستهدافات المستمرة، لكن (إسرائيل) – بحسب قوله – لا تريد استمرار أي حالة إدارية مستقرة، بل تبحث عن "اقتتال داخلي وفوضى أمنية"، مشيراً إلى أن بعض المليشيات المسلحة التي جرى إنشاؤها داخل القطاع تتحرك وفق ما يخدم "أهواء ومطالب الاحتلال".
وشدد على أن الاقتراحات المطروحة حالياً غير منطقية، لأن المطلوب أولاً هو تهيئة الظروف المناسبة لعودة اللجنة الإدارية إلى غزة واستلام مهامها، خاصة أن حركة حماس – وفق حديثه – كانت قد أعلنت في وقت سابق استعدادها لتسليم الإدارة للسلطة الفلسطينية.
وأضاف: "إذا عادت اللجنة الإدارية وتم تأمين الظروف الطبيعية لعملها، فمن الطبيعي أن يتم تسليم المهام بشكل منظم، أما أن يُطلب من حماس التخلي عن غزة دون وجود ترتيبات واضحة، فهذا يعني دفع القطاع نحو الفوضى".
ورأى غنيم أن الجهات الراعية للمقترحات الحالية، إذا كانت جادة فعلاً في تحسين الوضع الإنساني والسياسي في غزة، فعليها أولاً الضغط على (إسرائيل) لتنفيذ الاتفاق والالتزام ببنود المرحلة الأولى، ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية، والسماح للجنة الإدارية بالقدوم إلى القطاع واستلام مهامها وفق التفاهمات المطروحة.
واتهم (إسرائيل) بمحاولة اختلاق العراقيل بهدف تحميل الفلسطينيين مسؤولية تأخير تنفيذ الاتفاق، مؤكداً أن جميع الطروحات التي يجري الحديث عنها حالياً “ضارة” وتهدف إلى خلق حالة من الفوضى والفراغ الأمني في غزة.
وأشار إلى أن الاحتلال يريد بقاء الوضع القائم في القطاع كما هو، موضحاً أن (إسرائيل) تسيطر حالياً على نحو 65% من مساحة غزة، وتواصل عمليات القتل والتوغل والتضييق على السكان، خاصة في المناطق التي وصفها بـ"الخط الأصفر"، بهدف خنق الفلسطينيين وزيادة معاناتهم الإنسانية.
وأضاف أن (إسرائيل) تسعى في الوقت ذاته إلى تحميل الفلسطينيين مسؤولية تعثر الاتفاقات، بينما تستمر هي في فرض الوقائع الميدانية بالقوة، مؤكداً أن ما يسمى بخطة ترامب أو "مجلس السلام" لا يعكس أي حرص حقيقي على مصلحة الشعب الفلسطيني.
مراجعة شاملة
وفي سياق متصل، دعا غنيم إلى مراجعة شاملة لطريقة إدارة الملف الفلسطيني في ظل المخاطر "الكارثية" التي تواجه القضية الفلسطينية، خاصة بعد الحرب والإبادة التي تعرض لها قطاع غزة.
وقال إن الطريقة الحالية في إدارة الملف الفلسطيني "عرجاء" وتؤدي إلى مزيد من التراجع، مؤكداً ضرورة الانتقال إلى حالة من التفاهم الوطني والإجراءات المشتركة لمواجهة التحديات القائمة.
وشدد على أهمية التوافق على خطة سياسية موحدة، وتشكيل وفد فلسطيني قادر على إدارة الملف بصورة صحيحة، بما يضمن توحيد الموقف الفلسطيني أمام المجتمع الدولي والدول العربية.
وأوضح أن أي موقف عربي داعم للقضية الفلسطينية سيكون أكثر قوة وتأثيراً إذا كان الفلسطينيون موحدين على رؤية سياسية مشتركة، بدلاً من حالة الانقسام والتشتت الحالية.
كما دعا المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط حقيقية على (إسرائيل) لإلزامها بتنفيذ التزاماتها، متسائلاً: "كيف يمكن أن يُطلب من الفلسطيني أن يسلم سلاحه في ظل غياب الأمن واستمرار العدوان؟".
وحذر غنيم من أن استمرار الوضع الراهن، إلى جانب ما وصفه بالتراخي العربي، سيؤدي إلى مزيد من التدهور في قطاع غزة، مؤكداً في الوقت نفسه أن الفلسطينيين يجب ألا يبقوا رهائن للتطورات العربية والإقليمية.
وختم بالتأكيد على ضرورة أن يحدد الفلسطينيون بأنفسهم ما يريدونه وكيفية التحرك لتحقيق أهدافهم الوطنية، بعيداً عن حالة الانتظار والارتهان للمتغيرات الخارجية، مشدداً على أن وحدة الموقف الفلسطيني باتت ضرورة ملحة لمواجهة المرحلة المقبلة

