يتأثر خلالها الصغار والكبار

هل تسديد الديون يسبب خلافات عائلية؟

...

غزة - هدى الدلو

لأنها ليلة العمر التي لا تتكرر، سعيًا لإتمام مراسم الزواج على أكمل وجه، وكان لهما ما أرادا، ولكن مع بداية حياتهما الزوجية، حدث ما لم يكن بالحسبان، فالديون تحاصر الزوج، والدائنون يلاحقونه ويضغطون عليه للسداد بسرعة.. كثيرًا ما يتكرر هذا السيناريو مع الأزواج الجدد ويلقي بظلاله على حياتهما وعلاقتهما التي ما تزال في مهدها، فتتعدد الضغوط النفسية والخلافات حتى تسديد كل الديون، التقرير التالي عن مرحلة سداد الدين.


عكس المتوقع

هذا السيناريو هو ما حدث بالفعل مع منال صالح (28 عامًا)، التي قالت: "توقعت أن تكون السنة الأولى من زواجي أسعد سنوات عمري، لكنها لم تكن كذلك على الإطلاق، بل انقلبت حياتي إلى ضغط وتوتر، وسيطر عليّ التفكير في كيفية سداد هذه الديون"، مشيرة إلى أن ما زاد حالتها سوءًا انتهاء عقد عمل زوجها الذي كان بنظام "البطالة"، ما أدخله في دوامة البحث عن عمل من جديد.

وأضافت: "بعدما فقد زوجي عمله، اضطر للعمل في أكثر من مجال، فعمل سائق سيارة أجرة، وعاملًا في محل لبيع الملابس، وغير ذلك، لكن دخله لا يكفي لإيجار المنزل، ولكن ما أسعفنا قليلًا هو أني موظفة، ومع ذلك لم تكن حياتنا على ما يرام".

وأوضحت أن الحياة الزوجية يشوبها التوتر والقلق بسبب ضغط الديون، وقد يصل الأمر إلى المشادات الكلامية والمشاكل المتكررة، مبيّنة: "شبح الديون الذي يسيطر على العائلة يجعلها تعيش في تخبط وعدم استقرار، إذ يلقي بظلاله على أدق التفاصيل الحياتية، ويتسبب بكثيرٍ من المشكلات العائلية".

بالصبر..

أما صابرين عبد الرحمن (30 عامًا) وهي أم لطفلين، قررت هي وزوجها أن يؤمّنا مستقبلهما ومستقبل أبنائهما بشراء منزل يكون مملوكًا لهما بدلًا من التنقل بين البيوت المُستأجرة بين الحين والآخر، وما شجّعهما على ذلك أنها هي أيضًا موظفة وليس زوجها فقط.

حصلت على قرض من البنك على أن يكون السداد من راتبها، وقالت: "لسنا نادمين على هذا المشروع، لكن الحياة خلال فترة تسديد الدين تحتاج إلى كثير من الصبر ومجاهدة النفس، والاقتصار في المصاريف على الأساسيات فقط، خاصة أن السداد سيمتد لسنوات طويلة".

ونبهت إلى أنها تضطر في كثير من الأحيان إلى تجنب المشاركة في المناسبات والزيارات لما تحتاجه هذه المجالات من تكلفة لشراء الهدايا.

تأثيرات نفسية واجتماعية

من جهته، أوضح الأخصائي النفسي والتربوي إسماعيل أبو ركاب, أن الوضع النفسي الذي يسود العائلة بسبب الحالة المادية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمجموعة من العوامل الأخرى، مثل عدد أفراد الأسرة، والالتزامات العائلية كنفقات التعليم الجامعي أو الإيجار، فكثرة الالتزامات تزيد من حدة تأثير هذه الديون على جميع أفراد العائلة، وخصوصًا المُعيل.

وقال لـ"فلسطين": "حالة من الترقب والقلق العام ترافق الضغط النفسي المستمر عند من تراكمت عليهم الديون، إضافة إلى الدخول في نوبات اكتئاب، والمشاكل النفسية التي تظهر على الوالدين أساسها الشعور بالمسؤولية بالدرجة الأولى، وإلى جانب التأثيرات النفسية فإن الديون تؤثر في العلاقات الاجتماعية مع الأقارب، فيضعف التواصل معهم".

وأضاف أبو ركاب: "وينتقل هذا الشعور للأبناء حسب التسلسل العمري لهم، فالكبير يشعر بجزء من معاناة أبويه، ويقل هذا الشعور عند الأبناء الأصغر سنًا، وتظهر على الوالدين الكثير من الأعراض النفسية التي من الممكن أن تتحول إلى أمراض جسدية إذا لم يكونا على وعي بطبيعة هذه الفترة".

وبين أنه في تلك الفترة تزيد المشاكل الأسرية داخل الأسرة، وذلك لشعور كل من الزوجين أنه على عاتقه العبء الأكبر في تحمل التبعات المالية، فالزوج يشعر بأنه المسؤول الأول وهو الذي يدفع فاتورة السداد من وقته وجهده، وعلى حساب صحته الجسدية والنفسية، فيما الزوجة تشعر بأنها من تدير أمور الأسرة وعليها تلبية احتياجاتها اليومية، وبالتالي تتولد الخلافات، وتزيد حدّتها عندما يحاول كل طرف إثبات دوره، مشيرًا إلى أن ما يؤثر في الآباء يؤثر في الأبناء، والمشاعر والأفكار تنتقل تلقائيًا من الأبوين للأبناء.

وبيّن أبو ركاب: "الوضع الاقتصادي السيئ داخل الأسرة لا يمنع الأسرة من تحقيق متطلباتها فقط، بل يتعدى ذلك إلى الحرمان النفسي، فالأطفال إن لم يتم إشباع رغباتهم المادية بقدر المستطاع فإن ذلك سيؤثر في مفهومهم لذواتهم ومفهومهم عن المجتمع، زيادة على ذلك أن الأطفال يعيشون في محيط واسع من العلاقات مع أقرانهم، وهذا ما يزيد الأمور تعقيدًا، فشعور الطفل بالنقص والعوز نابع من مقارنة نفسه بالآخرين".

ولتجاوز ذلك، أوضح: "الوالدان هما الأقدر على معرفة احتياجات الأبناء وتحديد الطريقة الأفضل لإشباع تلك الاحتياجات، ولو قرّرا الدخول في معترك الاستدانة المالية من الآخرين فعليهما أن يقدّرا كل موقف بقدره وعدم التهور ثم الندم".

ولفت أبو ركاب إلى أنه من الجيد أن يشرك الأبوان أبناءهما فيما يتم اتخاذه من قرارات داخل المنزل، لأن مشاركتهم تعني أنهم جزء من النتائج المتوقعة، وهذا يخفف الكثير من العبء النفسي، وكذلك لا بد من سماع أفكار الأبناء، وتقدير مشاعرهم، فهذا له أثر كبير في التخفيف من معاناتهم النفسية، ويزيد من ثقتهم بأنفسهم، ويقلل من مخاطر الانزلاق إلى بعض المشاكل السلوكية.