مساحة حرة

خلف جدران الفقر

كثيرة هي المواضيع السياسية التي تشغل الرأي العام الداخلي ولابد من تسليط الأضواء عليها حسب أولوياتها، ولكن فهمنا المبتور للسياسة أشغلنا عن قضايا من المفروض أن تكون على سلم أولوياتنا، ولكنها صنفت على أنها ليست "سياسية" ولا أولوية لها حاليًّا، ومن ذلك المستوى المعيشي والثقافي لأفراد المجتمع.

المجتمع الذي يرزح أغلب أبنائه تحت خط الفقر لن تكون الحالة السياسية له مستقرة أبدًا، لأن المواطن هو اللبنة الأساسية في المجتمع، ولا يقوم بناء على لبنات ضعيفة، ومع ذلك نجد أن محور اهتمام القيادات الفلسطينية هو الصراع الخارجي مع العدو الإسرائيلي، والصراع الداخلي بين الفصائل، وهذا له تشعبات كثيرة. مئات آلاف الفلسطينيين يعيشون حالة فقر مدقع، ما نراه من مظاهر "مخيفة" للفقر لا يعكس الصورة الكارثية الحقيقية، ولا يكشف جليًّا وضع من يعيشون خلف جدران الحرمان والفاقة.

لا ننكر أننا نعيش تحت احتلال إسرائيلي في الضفة وحصار أشد في قطاع غزة، وأن العدو الإسرائيلي هو السبب في معاناة شعبنا، ولكن هذا لا يعني الاستسلام للأمر الواقع، أو حث المواطنين على الصمود، والمساهمة المتواضعة فقط في التخفيف من معاناة المواطنين.

لابد أن يشعر كل مواطن أن كل من يعد نفسه من قيادة الشعب الفلسطيني قام بواجبه، وليس فقط مجرد "رفع عتب".

بعض الحالات الإنسانية وصلت إلى الإعلام وعمل على مساعدتها "مسؤول رفيع" أثرت فيه الحالة، أو أنه أراد أن يجمل نفسه بعمل إنساني "بحت"، ولكن لا يستطيع كل محتاج الوصول إلى وسائل الإعلام، ولابد أن تعالج القضية من جذورها.

القيادات والمسؤولون ومن اتصل بهم من أقارب ومعارف وأصدقاء تحت المجهر، فإن رأى عامة الناس وجود تكافؤ فرص بينهم وبين هؤلاء فإنهم سيرضون، على الأغلب، ولكن إن وجدوا أن المقربين من أي "مسؤول" تفتح لهم الطريق إلى الوظائف والعلاج وغير ذلك من الأمور الحياتية، وتغلق في وجوههم؛ فإنهم سيغضبون، بل سيتغاضون عن المحتل الإسرائيلي الذي كان السبب في بؤسهم. العلاقة الطبيعية بين المسلمين أنهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى، فإذا عاش كل إنسان لنفسه دون اهتمام بغيره؛ فهذا وضع غير طبيعي، ويشكل خطرًا على المجتمع.

نحن نؤمن أن الله (عز وجل) قسم الأرزاق، ولكننا أيضًا نؤمن أن في مال الغني حقًّا للفقراء يجب تأديته، ونؤمن أنه لا يجوز سرقة أموال الفقراء بحرمانهم فرصًا يستحقونها لمصلحة "أصحاب الوساطات"، ونؤمن كذلك أن المسؤول حتى لو خلق ومعه ملعقة من ذهب عليه أن يراعي مشاعر الأغلبية الفقيرة؛ فلا داعي لمظاهر البذخ الزائد على الأقل في أثناء وجوده بمنصبه، وليعد ذلك تضحية منه.

باختصار: يجب أن نتعامل مع حالة الفقر على أنها قضية سياسية وإنسانية ذات أولوية، والعمل على علاجها بكل الطرق الممكنة، حتى يلمس الفقراء أن هناك من يسهر من أجلهم ويتألم لألمهم.