"معتصم" صاحب الرقم "10".. بطل لم تحاصره الإعاقة

...
معتصم أصيب عام 2006م إصابة أدت إلى بتر ساقه اليسرى
غزة/ يحيى اليعقوبي:

يضرب معتصم كرة السلة على الأرض بكفة يده وتصدر هي صوت اهتزاز قبل أن ترتد إليه مع صدى الصوت بالصالة المغلقة فيضربها ثانية، يكرر المحاولة بوتيرة أسرع، ثم يمسكها في الهواء ويرميها داخل شبكة كرة السلة(السكور) مسجلًا ضربة ناجحة؛ يحاول ثانية مع زملائه اللاعبين قبل انطلاق أولى مباريات دوري كرة السلة لذوي الإعاقة، يحمل الرقم "10" المطبوع على قميصه الأسود يجلس على كرسي متحرك مخصص لهذه اللعبة، يستعد لخوض غمار أولى المباريات.

معتصم أبو كرش (23 عامًا) أصيب عام 2006م إصابة أدت إلى بتر ساقه اليسرى (من منطقة الفخذ) وثلاث أصابع من يده من الجهة نفسها، بعدما قصفت طائرات الاحتلال منزلًا مجاورًا لمسكنه فتساقطت الحجارة على ساقه، ليستفيق بعد ذلك مواجهًا تحديات الحياة، وكانت البدايات صعبة.

كان آنذاك طفلًا لم يتجاوز (13) عامًا من عمره، عندنا تحتم التأقلم مع بتر ساقه وأطراف يده.

في منتصف الملعب بصالة سعد صايل بمدينة غزة يقف "معتصم" قبل انطلاق المباراة، عائدًا بذاكرته مع "فلسطين" إلى شريط الذكريات المرير: "تأثرت ببتر ساقي، لكن لأهلي دور كبير في دعمي رياضيًّا، وأن أكمل حياتي، لكوني أحب الرياضة من صغري، فبعد ذلك التحقت بنادي السلام لذوي الإعاقة بكرة السلة، والسباحة، وألعاب القوى".

الصعود للقمة

عام 2014م حصل معتصم على المركز الأول في بطولة سباحة حرة، فهذه لعبته المفضلة إضافة إلى كرة السلة، ومثل فلسطين في بطولتين دوليتين: الأولى في تسلق جبل "كليمنجارو" الأكثر ارتفاعًا في أفريقيا بتنزانيا ذي الارتفاع الشاهق الذي يبلغ 6 آلاف متر عن سطح البحر، والبطولة الأخرى للدراجة الهوائية في هولندا، وحصل بالبطولة الأولى على المركز الأول على مستوى الوطن العربي، ورفع علم فلسطين على قمة الجبل.

انطلقت تلك المباراة وجلس صاحب الرقم عشرة في الشوط الأول على دكة البدلاء، وفي كرة السلة هذه لا يجلسون لضعف أدائهم بل لاختلاف التصنيفات، لا تذهب رحلة تنزانيا من حديثه، فيقول: "تلك مغامرة متعبة لكن كانت جميلة، رغم أن لدي إعاقة حركية تسلقت الجبل بالطرف الصناعي".

على مدار ثمانية أيام كان يتسلق معتصم الجبل، يمشي بين الرمال والصخور والحشائش، لكن هذه العقبات التي كانت أمامه في رحلة صعود الجبل لن تحول دون تخطيها كما استطاع تخطي تحديات الحياة بقدم واحدة.

يتوقف بكلماته عند أول يوم في التسلق: "استغرق صعود الجبل ثمانية أيام، كنا نسير كل يوم ثماني ساعات متواصلة، كنا نأخذ بعض الاستراحات، في تلك المغامرة التي شارك فيها نحو 24 شخصًا معظمهم غير مصابين بالإعاقات ما عدا فتاة واحدة كانت من ذوي الإعاقة".

اقترب اليوم الأخير على الوصول إلى القمة ومعه اقترب حلم معتصم بالبطولة، كان التحدي محتدمًا؛ قرص الشمس المتوهج وكأنه فوق رؤوسهم، النفس يضيق أكثر فأكثر في الأعلى، العرق يتصبب من جبين معتصم والمتسابقين، تعب، إرهاق، جسد منهك، يجر بقدمه اليمنى الطرف الصناعي، يستذكر تلك اللحظات قبل انتهاء الشوط الأول للمباراة: "ما واجهته من تعب خلال سفري وخروجي من غزة عبر حاجز بيت حانون (إيرز) إلى أفريقيا، كان يعطيني أملًا ودافعًا للمواصلة".

"لحظة وصولي إلى القمة لا تنسى، كنت متعبًا كشخص مغيب عن الوعي، تناولت حبوبًا لمساعدتي على التنفس من نقص الأكسجين، ورفعت علم فلسطين هناك" بابتسامة عريضة وكأنه يعيش المشهد نفسه يقولها.

يجد معتصم في الرياضة بوابة للخروج من ألم الإصابة، وتحقيق النجاحات والإنجازات كما تسلق قمة الجبل، فهو يلعب كرة السلة منذ خمس سنوات، وحصل خلال العامين الأخيرين على بطولتي كرة السلة مع نادي السلام، وها هو يبدأ رحلة الدفاع عن اللقب ومحاولة إحراز الدوري الثالث تواليًا، وعن ذلك يقول: "تصنيفي مرتفع بهذه اللعبة (...) منذ شهر نستعد للبطولة ونتدرب جيدًا".

تخطي الإعاقة

كيف استطعت تخطي الإعاقة؟، يجيب عن السؤال وهو يعقد حذاء قدمه ممسكًا حبل الحذاء (رباط) بأصبع يده المتبقي، لكنه بدا مرنًا في عقدها: "اندمجت في الرياضة ونسيت الإصابة أو تأقلمت عليها، لو عاد بي الزمن للخلف لا أعتقد أن تكون حياتي هكذا، فقد حققت نجاحات كثيرة وأصبحت بطلًا".

"كنت في السابق أخجل من الإصابة ولا أخرج من المنزل دون طرف، لم أتكئ يومًا على عكاز، أخاف من نظرة الشفقة علي، كنت أريد أن ينظر الناس إليَّ شخصًا طبيعيًّا، أجلس بالبيت وحيدًا طوال الوقت بغرفتي، لا أدع شخصًا يراني دون طرف" ما يقوله كان قبل خوض غمار الرياضة.

لكن لم يبق الحال على ما هو عليه، يكمل: "مع الوقت اندمجت وتخالطت بالناس، فكسرت حاجز الخوف ولا أخجل من الظهور دون طرف صناعي، كما تراني أمامك الآن".

هل الرقم عشرة الذي ترتديه صدفة؟، "لا" يمسك بطرف أصابعه قميصه عند طبعة الرقم 10 يشده قائلًا: "أرتديه لأنني أحب التفوق، وأن أكون بطلًا".

بدأ الشوط الثاني من المباراة، بمجرد نزول معتصم أرض الملعب انطلق بكرسيه نحو تلك الكرة التي رماها زميله عند منتصف الملعب في هجمة مرتدة بعدما فشل الخصم في إحراز هدف، اهتزت الكرة عدة مرات منتظرة أول الظافرين بها، فكان معتصم، ليحرز رمية ناجحة، ونجح في عدة محاولات أخرى.

كان يتجاوز اللاعبين بكرسيه المتحرك، ويتنقل بالكرة، يرميها في أحيان أخرى، أو يمنع هجمة مرتدة من الخصم، حتى كان الفارق كبيرًا لمصلحة فريق معتصم الذي ينافس على لقب الدوري.

التحدي قاسم مشترك توحيه نظرة كل فرد منهم، اختلفت الإصابات وتنوعت الإعاقات لكنهم يتألقون بها ويتأقلمون عليها، بل قد يحققون نجاحات أكثر مما يحققها أصحاء لم يصابوا بأذى.

معتصم متزوج ولديه طفلة صغيرة تدعى صابرين (عام)، يعمل في استراحة المواءمة الخاصة بذوي الإعاقة على شاطئ البحر بعقد مؤقت.

في هذه اللعبة يجب أن يكون مجموع معدل تصنيف اللاعبين الخمس في أرض الملعب 15، لتحقيق التوازن بين الفرق، ويبدأ التصنيف من 1-5، كلما ارتفع التصنيف كان أداؤه وقدرته الوظيفية على تحريك جذعه أعلى، وإعاقته أقل.