في الوقت الذي يواجه المجتمع الفلسطيني تحديات وجودية بفعل حرب الإبادة والانكماش الاقتصادي، برزت إلى السطح أزمة "الفصل التعسفي" كخنجر جديد في خاصرة الأمن الاجتماعي.
تصاعدت في المدة الأخيرة موجة من الإقالات الجماعية وإنهاء الخدمات في مؤسسات وطنية ودولية كبرى، وصفتها الأوساط النقابية بـ "المجحفة" و"غير القانونية".
في السياق، ناشد عاملون في شركة تُعنى بالاتصالات وأنظمة المعلومات الجهات المختصة التدخل العاجل لإنصافهم، بعد تعرضهم لما وصفوه بـ”فصل تعسفي جماعي” خلال فترة الحرب، دون إنذار سابق أو صرف مستحقاتهم القانونية.
وأوضح أحد الموظفين "محمد عابد" أنهم عملوا لسنوات طويلة داخل الشركة بعقود تُجدد سنويًا دون تثبيت، رغم التزامهم الكامل بالدوام الرسمي والعمل داخل مرافق الشركة وتحت إشرافها المباشر، مشيرا إلى أن بعضهم تجاوزت مدة خدمته 18 عامًا.
وبين عابد لصحيفة "فلسطين" أن قرار الفصل تم دون مراعاة لسنوات خدمتهم أو للظروف الإنسانية الصعبة ما أدى إلى حرمان عشرات العائلات من مصدر رزقها في وقت بالغ القسوة.
وأضاف أنهم حاولوا المطالبة بحقوقهم عبر وقفة سلمية حضارية، إلا أن الرد – بحسب تعبيرهم – كان طردهم بالقوة بدل فتح باب الحوار، في مخالفة صريحة لقانون العمل الفلسطيني وانتهاك لكرامة العامل وحقوقه الأساسية.
وأكد ، أن ما جرى “ليس مجرد إجراء إداري، بل ظلم قانوني وإنساني جسيم”، مطالبًا بإنصافهم، وصرف جميع مستحقاتهم كاملة، وإعادتهم إلى العمل داخل أحد أقسام الشركة، إضافة إلى تثبيتهم الوظيفي باعتباره “حقًا قانونيًا وإنسانيًا لا يقبل المساومة”.
من جهته أعرب الدكتور سلامة أبو زعيتر، النقابي العمالي، عن قلقه البالغ إزاء موجة إنهاء الخدمات وتسريح الموظفين والعمال التي تنتهجها كبرى المؤسسات الوطنية والدولية في فلسطين، خاصة في قطاعات البنوك، الاتصالات، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا).

ووصف أبو زعيتر في حديثه لصحيفة "فلسطين" هذه الإجراءات بأنها "نكبة اقتصادية جديدة" تضاعف من معاناة الإنسان الفلسطيني، خاصة في ظل الحرب المدمرة التي أدت إلى وصول معدلات البطالة لمستويات كارثية تجاوزت 85%.
واعتبر لجوء بعض المؤسسات لاستغلال الظروف الراهنة للتنصل من التزاماتها القانونية والأخلاقية يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون ولمعايير العمل اللائق.
وأكد أن الموظف لا يجوز أن يظل الحلقة الأضعف في معادلة الربح والخسارة.
ورفض "الحلول المالية" التي تأتي على حساب أرزاق الناس، مؤكداً أن التعويض المادي لا يعوض العامل عن فقدان حقه الأصيل في العمل والكرامة والأمن الوظيفي.
ووجه أبو زعيتر نداءً عاجلاً إلى الجهات الرسمية والمسؤولة للتدخل الفوري والضغط على المؤسسات الكبرى لوقف قرارات التسريح.
ودعا إلى تفعيل الحوار الاجتماعي واستبدال الإجراءات الأحادية بتفاهمات متوازنة تضمن استمرارية العمل وحماية الصمود ابتكار نماذج تعاونية خلاقة لإدارة الأزمات تتبنى معايير العمل اللائق.
وحذر من التبعات الاجتماعية الخطيرة التي قد تنتج عن اتساع رقعة البطالة، مؤكداً أن الحفاظ على الأمان الوظيفي هو جزء أساسي من تثبيت الإنسان الفلسطيني فوق أرضه ودعم صموده في وجه الأزمات المتلاحقة.
فقدان الأمان النفسي
من جهته حذر الاقتصادي محمد يزيد الناظر من آثار الإقالات التعسفية في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن فقدان الوظيفة المفاجئ لا يعني خسارة الراتب فقط، بل فقدان الأمان النفسي والاجتماعي والاقتصادي للأسرة.
وأوضح الناظر لصحيفة "فلسطين" أن مكافأة نهاية الخدمة تُعد نقطة التحول الأساسية بعد الإقالة، حيث يمكن استثمارها حسب حجمها: وديعة أو مشروع صغير أو تعلم مهارات جديدة، مع الحفاظ على الاستقرار النفسي والمالي.
وأشار إلى أهمية قبول الوظائف المؤقتة أو الأقل دخلًا بعد الحرب، لأنها تحافظ على الروتين، وتبقي شبكة العلاقات المهنية حيّة، وتفتح أبوابًا لفرص مستقبلية أفضل.

