فلسطين أون لاين

أوسلو.. تأجيل موت معلن

...
حسام كنفاني

لم يكن غريباً أن تمر الذكرى الخامسة والعشرون لاتفاق أوسلو بأقل قدر من الاستذكار، وخصوصاً من أطراف السلطة الفلسطينية الذين يحيوْن على هدي الاتفاق، أيديولوجياً وواقعياً. فوجود السلطة بحد ذاته هو وليد ما تم التوقيع عليه في حديقة البيت الأبيض قبل ربع قرن، فيما لا يزال رئيسها، محمود عباس، يعيش على وهم استكمال الاتفاق والسير به، تفاوضياً، إلى إعلان الدولة الفلسطينية التي كانت في أساس ما تم التفاهم حوله سابقاً. لم يتقبل أبو مازن، خلال السنوات الماضية، فكرة موت الاتفاق، ومعه اندثار الفكرة التفاوضية، بقي متعلقاً بآمال المبادرات الكثيرة التي تم إطلاقها خلال السنوات الماضية، والتي أثبتت جميعاً فشلها. لعله اليوم فوق، ربما اقتنع، أن "أوسلو" بات مريضاً لا أكثر، أو أنه في مرحلة غيبوبة، يمكن إفاقته منها لو "خلصت نوايا" الرعاة الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، والتي حتى لو أعلنت السلطة أنها لم تعد وسيطاً نزيهاً (لا نعلم متى كانت كذلك في نظر السلطة)، إلا أنها ستسارع مجدّداً في الدخول إلى دوامةٍ جديدةٍ من المفاوضات، في حال تغيّرت الإدارة الأميركية الحالية، أو غيّرت الأخيرة من سياستها وخفّفت حربها على الطرف الفلسطيني، من دون أن توقفها.

هذا ما لا يُنكره المسؤولون الفلسطينيون، إلا أن ما يُنكرونه فعلياً هو الإعلان رسمياً عن أن الاتفاق لم يعد قائماً، وأن كل محاولات الإنعاش أو المبادرات لن تعيد إليه الروح. والأمر ليس فقط متعلقاً بإجراءات إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تجاه القضية الفلسطينية. فلا إعلان الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لـ(إسرائيل)، ولا نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، ولا قطع التمويل عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) ومستشفيات القدس، غيّرت شيئاً في حقيقة أن الاتفاق قتل بعد سنوات من إبرامه. إجراءات ترامب أضاءت أكثر على هذا الموت المعلن، والذي تصرّ السلطة الفلسطينية على تجاهله.

كان من المفترض أن تقر السلطة بأن الاتفاق قتل يوم دخلت الدبابات الإسرائيلية إلى ساحة المقاطعة في رام الله لحصار الرئيس ياسر عرفات، وأعادت احتلال كل المناطق التي كانت خاضعةً، نظرياً، للسلطة الفلسطينية. وهي مناطق لم تستعد السلطة سيطرتها عليها حتى اليوم، بل انحصرت حدود سيطرتها على نطاق جغرافي ضيّق، أضيق مما كان في الأساس. وإذا لم يكن ذلك التاريخ كافياً، كان من الممكن أن يكون لاحقاً، حين استشرى الاستيطان في أراضي الضفة الغربية، ومزّق جدار الفصل العنصري القرى والمدن الفلسطينية، وفصلها بعضها عن بعض. وفي حال هذا أيضاً لم يكن كافياً، يمكن النظر إلى فكرة إقامة السلطة الفلسطينية من أساسها، وكيف أنها كان من المفترض أن تكون وسيلةً لإعادة جمع الشتات الفلسطيني، والتمهيد للدولة العتيدة، حتى ولو على مساحة الرابع من يونيو/ حزيران 1967، إلا أنها تحولت، بدلاً من ذلك، إلى ضابط للمصالح الأمنية الإسرائيلية عبر التنسيق الأمني، والذي تضفي عليه صفقة القداسة، والمستمر حتى اليوم، على الرغم من كل الإجراءات الأميركية والإسرائيلية. تنسيق أمني ربما هو الدور الأساسي الذي أرادته (إسرائيل) من إبرام اتفاق أوسلو في الأساس في ظل الانتفاضة الأولى، إذ رمت كرة الغضب الفلسطيني في حضن الفلسطينيين أنفسهم، وها هي السلطة تقوم بهذا الدور اليوم على أكمل وجه.

وإذا نحّينا جانباً الانقسام، والذي انتفت معه إمكانية إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، تبقى المعطيات السالفة الذكر كافيةً لأن تقرّ السلطة بأن الاتفاق الذي قامت على أساسه لم يعد له وجودٌ إلا في ما يخدم المصالح الإسرائيلية، وأن انتظار مزيد من المبادرات السياسية لم يعد ذا جدوى، بالنظر إلى التجارب السابقة والقيادة الإسرائيلية الحالية، وأن الأوان قد آن لحزم الحقائب وإعادة كرة الاحتلال بالكامل إلى ملعب المحتلين.