أتذكرون مشهد الشباب الثائر الذين تخطوا نقطة الصفر، وهم يقذفون جيبات قوات الاحتلال شرق مدينة غزة بالحجارة التي كان مفعولها كالرشاش، وعلى إثرها فرّ الجنود بعيدا رغم عتادهم؟.. لهذا المشهد تكملة لم تلتقطها عدسات الكاميرات، يرويها أحد من شاركوا في صنع هذا الحدث، إنه "أبو مهند"، الذي يخبرنا أن جنديين إسرائيليين وقعا أرضًا بفعل اختناقهما من قنابل الغاز التي أعاد الشبان رميها عليهم ليذيقوهم من نفس الكأس.
حكايات يومية
هذا المشهد سيُحفر في ذاكرة "أبو مهند"، كما الكثير من الحكايات الأخرى التي عايشها في مخيم العودة، الذي يقضي فيه معظم ساعات نهاره، قبل أن يعود إلى بيته مع مغيب الشمس.
من فوق التلة المحاذية للسلك الشائك، يتحدث "أبو مهند" (اسم مستعار) مع "فلسطين": "منذ اليوم الأول لانطلاق مسيرة العودة، اعتدت على القدوم إلى هنا (مخيم العودة شرقي غزة) يوميا من الساعة السادسة والنصف صباحًا، ولا أفضل المكوث في الخيام البعيدة، وإنما أكون بالقرب من السياج، فهو مكاني المفضل، حيث أقوم برفقة عدد من الشباب الموجودين في المكان بعمليات كر وفر يوميًا مع جنود الاحتلال".
"أتعرفين لعبة جيش وعرب؟".. يسأل أبو مهند، ثم يبين: "نحن نلعبها اليوم على أرض الواقع، حيث ينهك الشباب الثائر قوات الاحتلال الاسرائيلي كل يوم على الحدود بملاحقة مركباته، وقص السلك، واجتياز بعض الأمتار بعده".
"اختبار الجنود"
"أبو مهند" بات يعرف كل شبر في الحدود، يحفظ تضاريس المكان، وحتى دوريات الجنود التي تتغير كل خمس ساعات، ومع كل "شيفت" يقوم برفقة زملاء الميدان بـ"اختبار" جنود الاحتلال من خلال الاقتراب من السياج وانتظار رد فعلهم، إذا كان بالرصاص أو بالغاز، ومعرفة أي النقاط الأضعف على الحدود.
ومع المعايشة اليومية للمكان، يسرد أبو مهند بعض المواقف الصعبة: "عقب جمعة العمال بيومين، راقبت أنا وسبعة شباب المكان وحركة الجنود فيه، وبعدها اجتزنا السياج من النقطة الأضعف، بهدف إحراق بعض معدات الجنود، ولكن للأسف تم رصدنا وإطلاق النار علينا من رشاش آلي وتوجيه قوات خاصة إلينا".
ويوضح: "في تلك اللحظة، نطقنا الشهادة جميعا، ولحسن حظنا كان في المكان عَبارات المياه العادمة، اختبأنا داخلها، فيما الرصاص يتطاير فوق رؤوسنا، وحوصرنا قرابة الثلاث ساعات حابسي الأنفاس، وما إن هدأ الرصاص تطوع شاب بأن يكون الفدائي الأول فانسحب ليكتشف المكان".
ويبين: "وبالفعل، خرج، وما إن وصل نقطة آمنة نوعا ما، نادى علينا كل واحد بلقبه وخرجنا واحدا تلو الآخر، ونجونا بأعجوبة".
ليس الموقف الأول
من البديهي أن يتوقع البعض أن هذا الموقف الذي يحبس الأنفاس، والذي كاد أن يودي بحياته أو حياة أحد من الشباب، قد يجعل "أبو مهند" يخشى العودة مرة أخرى إلى الحدود، لكنه يقول: "هذه ليست المرة الأولى التي أتعرض فيها للخطر، ففي أحد أيام الجمعة، قمنا بقص السلك واجتزنا الحدود، وأطلق جنود الاحتلال النار علينا وأصيب بعضنا إصابات خطيرة".
ويضيف: "المُصاب كان طفلًا لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، حمله جنود الاحتلال، وأخذوه، ولا نعرف حتى الآن ما مصيره".
ومن مهام "أبو مهند" أيضا عمل "مسح ميداني"، للحدود، لكونه من أوائل الواصلين إلى المكان كل يوم، ومن ثم يقوم بتوزيع الأدوار على الشباب "الفدائيين" الذين يعرفهم، وتحديد أي جهة يمكن للشباب قص السلك فيها.
ذات يوم، خاطب جندي "أبو مهند" عبر مكبر صوت، ناداه باسمه واسم عائلته، وحذّره من أنه سيصيبه برصاص بندقيته إصابة تمنعه من العودة مرة أخرى إلى "ملكة"، كما يروي لـ"فلسطين".

