يتجدد الحديث عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بوصفه خلافًا سياسيًا بين الإدارة الأميركية والاحتلال الإسرائيلي، غير أن الوقائع على الأرض تكشف أن وقف إطلاق النار ما تزال حبيسة الورق، في حين تستمر الحرب فعليًا بأشكال مختلفة لكن أقل صخبًا.
ووفق خبراء، لا يشكل هذا الخطاب سوى غطاء سياسي يتيح لـ(تل أبيب) التملص من استحقاقات المرحلة الأولى، وتحويل الاتفاق من مسار يفترض أن يوقف الحرب ويعالج الكارثة الإنسانية، إلى أداة ضغط لفرض شروط سياسية وأمنية على الفلسطينيين، تتقدمها قضية نزع سلاح المقاومة.
وفي السياق، ذكرت القناة 12 الإسرائيلية أن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب اتفقا خلال لقائهما الأخير بولاية فلوريدا على أن الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة سيكون داخل الخط الأصفر حيث يسيطر جيش الاحتلال.
ووفق وسائل اعلام إسرائيلية وأمريكية تعتزم إدارة الرئيس الأميركي، طرح رؤيتها لإدارة قطاع غزة في منتصف يناير الجاري، بما يشمل تشكيل "هيئة رقابية دولية"، و"كيان مدني لإدارة شؤون القطاع" بعد الحرب، في ظل تباينات قائمة مع (إسرائيل) بشأن آليات التنفيذ على الأرض، وقلق دولي متزايد إزاء الوضع الإنساني وتعقيدات إدارة المرحلة المقبلة من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
ودخلت الخطة الأميركية في قطاع غزة، والمشكلة من 20 بنداً، حيز التنفيذ في أكتوبر/ تشرين أول الماضي. ووفق المرحلة الثانية، فمن المقرر أن يتم تشكيل حكومة فلسطينية من التكنوقراط في غزة، وانسحاب قوات الاحتلال، والشروع في جهود إعادة إعمار القطاع.
إعفاء من الالتزامات
ورأى الباحث بمعهد الشرق الأوسط بواشنطن د. حسن منيمنة، أن التركيز المتكرر على "ضرورة الانتقال إلى المرحلة الثانية" من اتفاق وقف إطلاق النار، وتقديمه كموضع تجاذب بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، يخدم (إسرائيل) بالدرجة الأولى، لأنه يعفيها عملياً من تنفيذ التزاماتها المفترضة في المرحلة الأولى من الاتفاق.
وأوضح منيمنة لـ "فلسطين أون لاين"، أن هذا الخطاب يؤدي إلى طي ملفات أساسية، في مقدمتها تأمين الإيواء المؤقت اللائق لسكان قطاع غزة، وهو ما منعته (إسرائيل)، إلى جانب الإغاثة الإنسانية المناسبة، خاصة في ظل تأكيد كل من (تل أبيب) وواشنطن أنه "لا مكان لوكالة "الأونروا". كما يشمل ذلك ملف الدفن المشرف لآلاف الشهداء الذين ما زالوا تحت الأنقاض، في وقت تواصل فيه (إسرائيل) منع إدخال المعدات اللازمة لانتشال الجثامين.
وأضاف أن المفارقة تتجلى في مطالبة الجانب الفلسطيني بالبحث عن آخر جثة إسرائيلية، في حين يُحظر عليه فعلياً البحث عن شهدائه، معتبراً أن الحديث عن المرحلة الثانية، وفق التراتبية المتفق عليها إسرائيلياً وأميركياً، يجعل نزع سلاح المقاومة البند الأول، بل الأوحد، إلى أن يتحقق بما يرضي (تل أبيب)، وفي حال عدم رضوخ الفصائل لشروط ما زالت غير واضحة، يجري تحميلها مسؤولية تعطيل المسار، بل وتُتهم بأنها السبب في استمرار المجازر.
شركة أمريكية
وفي السياق، يعتقد منيمنة على أن (إسرائيل) ليست بحاجة إلى موافقة أميركية جديدة لمعاودة الحرب، لأن الحرب – بحسب توصيفه – "مستمرة تحت مسمى السلام"، مشيرًا إلى أن (إسرائيل) توهمت في مرحلة سابقة قدرتها على تحقيق النصر عبر القوة المفرطة، لكنها فشلت، ثم انتقلت بعد الهدنة إلى استخدام قوة أكثر توحشاً، دون أن تنجح في تحقيق أهدافها، رغم ما أثارته من استهجان واسع على المستوى الدولي، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة.
ورأى أن ما يُطرح اليوم تحت عنوان "خطة السلام" لا يمثل سوى استمرار لمسعى الانتصار الإسرائيلي، لكن بشراكة أميركية صريحة، وبصيغة أقل وحشية في ظاهرها، دون اختلاف جوهري عن المسار السابق.
وحول الحديث عن خطط أميركية لفرض السلام، اعتبر منيمنة أن هذا الافتراض يجانب الصواب، موضحاً أن الأفكار التي طُرحت، بما فيها مشروع "شروق الشمس"، هي أفكار مرتجلة وغير قابلة للتنفيذ. لكنه أشار إلى أنها تؤدي وظيفتين أساسيتين: تقديم بديل وهمي لسكان غزة يتقاطع مع مسعى نزع سلاح المقاومة، وتحفيز الأطراف العربية، لا سيما الخليجية، على ضخ استثمارات تستفيد منها الشركات الاستشارية الأميركية والإسرائيلية، رغم أن تنفيذ هذه المشاريع يبقى – وفق وصفه – "ضرباً من الخيال".
وفي ما يتعلق بدور الوسطاء، أكد منيمنة أن الوسطاء العرب والأتراك يتعاملون بصدق مع المشهد المعقد، ويسعون لتحصيل الممكن، مهما كان محدوداً، مشيرًا إلى أنهم حققوا "إنجازات شكلية" لا تغير واقع الحال، لكنها، من وجهة نظرهم، قد تشكّل أرضية يمكن البناء عليها لاحقاً.
غير أنه شدد على أن هذه الجهود لا تهدف إلى قلب المعادلة، بل إلى تأخير تنفيذ التوجه الإسرائيلي، عبر إقناع واشنطن بإمكانية تحقيق مكاسب آنية دون المساس بجوهر دعمها لـ(إسرائيل)، بما يتيح هامشاً محدوداً للفلسطينيين لالتقاط الأنفاس.
وخلص منيمنة إلى القول "إن العلاقة بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية ليست مجرد تقاطع سياسي، بل حالة عضوية، يمكن تليينها ظرفياً، لكن لا يمكن التعويل على إمكانية فضها في المستقبل المنظور".
إعلان مشروط
من جهته، رأى المختص في الشأن الإسرائيلي، عماد أبو عواد، أن إعلان نتنياهو موافقته على الانتقال إلى المرحلة الثانية هو إعلان مشروط، إذ إن الشروط الإسرائيلية المتعلقة بقطاع غزة لا تزال قائمة، لا سيما في ما يتصل بسلاح حركة حماس، والقوة الدولية، ومواعيد الانسحاب.
وأوضح أبو عواد أن هذه الموافقة جاءت في سياق محاولة نتنياهو التواؤم مع الرئيس ترامب، الذي قدم له، بحسب وصفه، "منحاً وعطايا سياسية وشخصية"، بما في ذلك التدخل المستمر في ملف محاكمته داخل (إسرائيل). وأضاف أن نتنياهو كان مضطراً لإبلاغ ترامب بموافقته، في ظل إدراكه أن العقبات الميدانية والسياسية ستؤدي عملياً إلى تأجيل المرحلة الثانية أو إفراغها من مضمونها، وعدم الانطلاق بها ضمن الجدول الزمني الذي تريده واشنطن.
وأشار إلى أن نتنياهو لا يزال يناور ويراهن على الملفات العالقة لتأخير الانتقال الفعلي إلى المرحلة الثانية، مذكّراً بتصريحات ترامب حول سلاح حماس، حين قال إن الحركة "إما أن تنزع سلاحها أو تواجه مصيراً صعباً"، وهو ما فهمته (إسرائيل) باعتباره شرطاً مسبقاً لأي تقدم سياسي.
وخلص أبو عواد إلى أن إعلان نتنياهو لا يشكل ضوءاً أخضر حقيقياً للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف اطلاق النار، بل يندرج في إطار المجاملات السياسية، فيما تبقى الشروط الإسرائيلية قائمة دون تغيير.
وكان المفترض أن يُنهي الاتفاق إبادة جماعية ارتكبتها (تل أبيب) على مدى عامين بدءا من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تجاوزت حصيلة ضحاياها 71 ألف شهيد و171 ألف جريح فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء، لكن (إسرائيل) تواصل حتى اليوم خروقاتها وحصارها الخانق على القطاع

